منظومات الإرهاب المنهارة

04:25 صباحا
قراءة 3 دقائق
مفتاح شعيب

لم تمضِ إلا بضع ساعات على إحباط عملية إرهابية كانت تستهدف كنيسة قبطية في مصر، حتى أطاحت قوات الأمن خلية متشددة وتصفية عناصرها الستة في منطقة الجيزة، حيث كانت تخطط لأعمال إرهابية وتفجيرات تستهدف عناصر الجيش والشرطة ومنشآت حيوية ودوراً للعبادة بالتزامن مع عيد الأضحى.
رغم مرور خمس سنوات قطعت فيها مصر أشواطاً بعيدة في محاربة الجماعات الإرهابية، ما زالت بعض الخلايا الظلامية تعمل في الخفاء لتسجل حضورها بالجريمة وسفك الدماء. وكان الهدف من العملية الفاشلة على كنيسة السيدة العذراء بمنطقة مسطرد شمال القاهرة، إعادة الصور المرعبة لاعتداءات سابقة ضربت عدداً من الكنائس القبطية والسعي إلى إحداث فتنة بين مكونات الشعب الواحد. ومثلما فشلت الخطط الشيطانية السابقة، فشل الاعتداء الأخير بفضل يقظة أجهزة الأمن وتجذّر قيم مكافحة الإرهاب بين المواطنين، وهو ما يتجلّى في توالي إطاحة الخلايا المتشددة ومنع الكثير من الأعمال الإجرامية، وفي هذا الإطار يمكن فهم ملابسات حادثة كنيسة مسطرد وعملية الجيزة اللتين تؤكدان نجاح استراتيجية محاربة الإرهاب المصرية وقدرتها على تحقيق إنجازات فعلية.
الأمر المؤكد أن تحقيق هذه النتائج الأمنية جاء بعد تقديم تضحيات جسام بسقوط مئات الشهداء من أفراد الجيش والشرطة والمدنيين. أما النتيجة الأهم لهذه الحرب، فهي تدمير البنية التنظيمية للجماعات الإرهابية وتصفية أغلب قواعدها المادية والبشرية، بالتوازي مع محاصرة الكيانات المتشددة في دول المنطقة، لا سيما في سوريا والعراق وليبيا، وقد كان للسياسة الخارجية المصرية دور لا يخفى في هذا الجهد، لأنه يحقق مصلحة وطنية عليا، تتمثل في القضاء على الفكر المتطرف وقطع شرايين تمويله وطرق تزويده بالعتاد والمقاتلين. وقد تحقق ذلك بفضل جهود استخباراتية إقليمية مكّنت من بناء قاعدة معلومات سهّلت تبادل المعطيات و«قرصنة» المخططات الإجرامية قبل أن تبدأ. وسيكتشف الرأي العام يوماً أن معركة مصر على الإرهاب لم تكن مجرد عمليات لتصفية جماعة هنا أو مطاردة أخرى هناك، بل كانت حرباً متعددة الجبهات تعج بفاعلين كثيرين، منهم العدو المباشر، ومنهم من يتخفّى بقناع الصديق ويدّعي أنه «بطل» في محاربة الإرهاب.
ربما ينظر البعض إلى الحادثين الأخيرين في مصر باعتبارهما بسيطين ولا يستحقان القراءة والاستنباط، ولكن الحقيقة أن دلالاتهما واسعة وتشيران بقوة إلى انهيار المنظومات الإرهابية وفقدان الجماعات المتشددة قدرتها على المناورة والتمويه. ومع ذلك لا يمكن الاطمئنان والتراخي، فهناك بعض التقارير تتحدث عن «جيل جديد من الإرهاب»، يحاول أن يستفيد من هزائم الأجيال السابقة وفي صدارتها «القاعدة» و«داعش» التي بدأت تتوارى تدريجياً. والحديث عن «جيل جديد من الإرهابيين» يرتبط أساساً بمصالح أطراف دولية وظّفت الإرهاب في مخططاتها المعقّدة، وما زالت تريد الرهان على هذا «الحصان الشيطاني» لاستنزاف دماء الشعوب وأموالها وتشويه تاريخها وتدمير جسور عبورها إلى المستقبل.
بعد سنوات من الجرائم والدماء والتدمير، أصبحت المنظومات الإرهابية، بفضل التضحيات الكبيرة، منهارة أو هي في طريقها إلى ذلك، وهذه الحقيقة مثلما تتم ملامستها في مصر، تلحظها العين المجرّدة في دول المنطقة الأخرى. ولا شك أن هذه النتيجة كانت ثمرة صبر وتصميم لخير المنطقة كلها ومقدمة لواقع جديد يجب أن يتشكل على قيم تستند إلى العدالة والتنوير.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"