عادي

حكاية «شانترام»

02:57 صباحا
قراءة دقيقتين
باسمة يونس

تخاطب الروايات قراءها بأصوات أبطالها المختلفة وتنويعات شخصياتهم وأفكارهم، أما الرواية المكتوبة بقلم بطلها مثل رواية «شانترام» وتعني باللغة المهراتية «رجل الحب والسلام»، فهي وإن كانت تملأ ألف صفحة لكنها أكثر متعة لأنها القصة الحقيقية لكاتبها الأسترالي «جريجوري روبرتس»، الذي لم يكتشف «مومباي» مثل معجزة فقط، بل استخرج منها خفايا عجز مواطنوها عن معرفتها، ليس لأنهم أقل موهبة منه، ولكن لأنهم لم ينظروا إليها نظرة هارب من السجن، وجد فيها حريته.
ورواية «شانترام» التي جسدها أهم ممثلين في هوليوود وبوليوود وهما «جوني ديب» و«أميتاب باتشان»، هي القصة الحقيقية ل«جريجوري» الملقب ب«سجين الصفوة» أي المجرم العتيد الذي ارتكب أكثر من جريمة بدأها بالسرقة بهدف تأمين معيشة عائلته بعد أن أصبح مدمن مخدرات، وأتبعها بالعمل غير المشروع، والتزوير والفرار من السجن الذي تعرض فيه لتعذيب ظل مطبوع الأثر بعلاماته المؤلمة على جسده، ليقوم في مومباي بتأسيس عيادة مجانية لفقراء الهند الذين ظنوا أن ذلك الرجل الأشقر ذا العيون الزرقاء طبيب، فلم يخيّب ظنونهم وافتتح عيادته لمعالجة الفقراء وليصبح رجل الحب والسلام فعلياً.
لم تقتصر رواية «جريجوري» على حكايات ترسم تفاصيل رحلته من أستراليا إلى مومباي العجيبة الغاصة بتناقضات ملايين البشر، وما تعج به من المطاعم والمعابد والمزارات والكنائس والمساجد، لكنها كانت تشكل عجينة السنوات التي عاشها هناك بعد فراره من سيدني إلى الهند، وانسكابات مخيلته وذاكرته التي انهمرت مثل عطور غريبة أنتجت خيوط حريته المشبعة برائحة الهواء المختلفة، والتي عرف وهو يشتمّها في الممر أثناء عبوره المطار نحو المدينة الصاخبة بأنها «أسوأ رائحة طيبة في العالم» وبأنها ستكون بداية عالمه الأجمل ووطنه الذي سيعود إليه دائماً.
أن يصبح المرء برمائياً في بومباي، يتنفس الماء مع الهواء، تصوير عجيب لمن يعيش في جوها المشبع بالرطوبة، وقدر محتوم لرجل مثل «جريجوري» عانى في بلاده عذابات السجن فوقع في حب الهند التي منحته حريته بعد فراره إليها. ووصف أسوأ ما فيها بالأجمل بدءاً من ذلك العامل القزم بثيابه المتسخة الذي لحق به ليعيد له جيتاره الذي نسيه أثناء محاولته النفاذ بجوازه المزور من نقطة التفتيش في المطار، ورفض أن يأخذ مالاً مقابل صنيعه قائلاً «لا نريد مالاً، فنحن هنا لنساعدك، أهلاً بك في الهند يا سيدي»، وانتهاء بجمال النساء الهنديات الرشيقات اللواتي تتناقض ألوان ثيابهن المفعمة بالحيوية مع قذارات الحياة وسيرهن حافيات على الأرض.
«شانترام» ليست مجرد رواية للاستمتاع بقدر ما هي بوابة نطل منها على بلد عرفناه طويلاً لكننا لم نفهمه يوماً كما فهمه «جريجوري روبرتس».

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"