عادي
تختلف من شخص إلى آخر حسب الميول والمشاعر

«التدفق».. نظرية علمية تعتبر السعادة حالة عقلية

03:12 صباحا
قراءة 5 دقائق
إعداد: عبير حسين
نصف قرن وأكثر قضاها البروفيسور الأمريكي من أصل مجري ميهالي شيكزنتميهالي 82 عاماً في تأسيس ودراسة نظريته العلمية الخاصة، التي تحمل عنوان «التدفق»، التي تعد أحد مباحث «علم النفس الإيجابي»، وأهم أدوات دراسة «علم السعادة».
يعمل البروفيسور شيكزنتميهالي أستاذاً لعلم النفس والإدارة في كلية «دراكر بجامعة كليرمونت» في كاليفورنيا، ومن قبلها ترأس لسنوات طويلة قسم علم النفس بجامعة شيكاغو، وقسم الاجتماع والأنثروبولوجيا في كلية ليك فوريست؛ حيث أجرى دراساته الهامة عن السعادة والإبداع والرفاه الإنساني، التي تجاوز عددها 120 دراسة هامة، إضافة إلى إصداره عدة كتب صنفت الأكثر مبيعاً على قائمة «نيويورك تايمز» لأوقات طويلة.
تحظى محاضرات البروفيسور على مواقع بث الفيديو عبر الإنترنت، خاصة مشاركاته عبر منصة «TED» على اهتمام واسع، وعدد مشاهدات يتزايد عاماً بعد الآخر، وفي محاضرته الشهيرة بعنوان (Flow, the secret to happiness) أو«التدفق.. السر إلى السعادة»، قال البروفيسور: «إن التدفق حالة عقلية مركزة للغاية للأنشطة التي يمارسها كل منا مثل: العمل، القراءة، وغيرها، التي تحقق السعادة لصاحبها»، مؤكداً أن المال يحقق سعادة مؤقتة، أما الحالة الذهنية الناتجة عن استمتاعنا بما نقوم به في حياتنا اليومية فهي وحدها مصدر الرضا والسعادة الأكبر في الحياة.

القدرات الجسدية

تحدث البروفيسور تفصيلاً عن نظريته الخاصة في السعادة في كتابه الأكثر شهرة «انطلق.. كيف نتدفق مع الحياة.. وننساب معها كالمياه»، قائلاً: «يستطيع الإنسان الاستمتاع بكل حركات، وسكنات، ولفتات جسده، لكننا كثيراً ما ننسى ملكات وقدرات أجسادنا فلا نستخدمها إلا في أضيق الحدود، جاعلين منها ثروة معطلة على تحقيق الانسيابية والتدفق والمتعة العقلية. فحين نترك حواسنا دون تطوير وتحريك فإنها تعطينا معلومات مشوشة. حينها تتجه العين غير الحساسة نحو المناظر المنفرة، وتنصت الأذن غير الموسيقية إلى الأصوات المزعجة، ويميل الفم غير الذواق نحو تناول الأطعمة غير الصحية وهكذا، عندما نترك وظائف الجسم دون استخدام، فإنها تضمر وتصبح حياتنا مملة وغير ممتعة».
وتحت عنوان: «تدفق الأفكار»، يؤكد البروفيسور شيكزنتميهالي، أن العقل هو مصدر ما نشعر به من متعة ناتجة عن معلومات تشحذ قدراتنا الفكرية أكثر من مهاراتنا الحسية، ويقول: «كما يؤدي إعمال القدرات الجسدية إلى لذة عقلية، يؤدي إعمال العقل لإحداث لذة من نوع خاص ومختلف؛ إذ يتمتع بعض البشر بقدرة على تفسير «النوتة» الموسيقية بشكل يجعلهم لا يحتاجون إلى سماع المقطوعة حين تعزف، لأنهم يفضلون قراءة السيمفونية على الاستماع إليها، فهناك ثمة نغمات تتراقص داخل عقولهم، وتشكل صوراً في مخيلاتهم تغنيهم عن الاستماع وهو ما يعده علم النفس «متعة عقلية من الدرجة الأولى».
ويضيف: «لا تعد اللذة العقلية حالة من السكون أو الاسترخاء، بل قد تأتي نتيجة لجهد بدني ونشاط ذهني، لتحقيق غاية صعبة المنال، لكنها جديرة بالعناء. إنها إحساس نصنعه بملء حريتنا، وبكامل إرادتنا فحين يكمل الطفل الصغير بناء برج بأنامله الرقيقة يشعر بلذه عقلية لا تختلف عما يشعر به السباح حين يحقق رقماً قياسياً غير مكترث بطول المسافة التي قطعها، أو ينجح عازف الكمان في عزف أعذب الألحان غير مهتم بصعوبة «النوتة» الموسيقية؛ ولذا فإن المتعة العقلية تختلف من شخص إلى آخر، بحسب اختلاف الميول والمشاعر، وما يضطلع به من مهام».

الأشخاص السعداء

يحدد شيكزنتميهالي خطوات لتحقيق هذه المتعة العقلية، قائلاً: «يتحول كل نشاط جسدي رغم بساطته إلى أداء ممتع حين نوجهه نحو تحقيق اللذة العقلية، ومن أهم خطوات الوصول إليها:

*وضع هدف رئيسي وأهداف فرعية تتسم بالواقعية.

*وضع مقاييس للتقدم في تحقيق الأهداف.

*التركيز على المهام المطلوبة والتأكيد للتحديات الكامنة في كل مهمة.

*تطوير المهارات الضرورية لإنجاز المهام وضمان توافقها مع الفرص المتاحة.

*رفع سقف المخاطر عند الإحساس بالملل.

يشرح كتاب «انطلق» معنى نظرية «التدفق» وكيفية تحقيقها للسعادة، قائلاً: «كانت السعادة وستبقى غاية المرء ومبتغاه، فعندما يسعى أحدنا إلى اكتساب الصحة وامتلاك المال والتمتع بالسلطة فإنه لا يطلب تلك الأشياء لذاتها؛ بل لأنه يرى فيها وسائل تحقق له السعادة».

ويضيف: «أثبتت دراسات علم النفس الإيجابي أن السعادة ليست حدثاً ننتظر وقوعه، أو هي نتيجة للحظ، أو لإحساس يتملكنا بمحض الصدفة، وليست سلعة تشترى بالمال، ولا تعتمد على عوامل خارجية، بل تنبع من نظرتنا لهذه العوامل وتفسيرنا لها وطرق التعامل معها. وعليه فإن السعادة هي إحساس ذاتي، وحالة فردية يستطيع الإنسان الاستعداد لها، وغرسها في أعماقه والاحتفاظ بها إذا ما أراد، ومن ثم فإن السعداء هم الأشخاص الذين يمتلكون القدرة على التحكم في خبراتهم الشخصية بشكل يجعلهم يحددون مصائرهم ويديرون شؤونهم، موجهين مسار حياتهم نحو تحقيق السعادة».

تجارب فريدة

تحت عنوان الانسيابية واللذة العقلية يفاجئ الكتاب القارئ بأنه ليس هناك أي تعريف محدد لما هي المتعة العقلية، لكنه يقول: «نستطيع أن نطلق ذلك الوصف على شعور الفنان حين يتأمل اللوحة الملونة التي رسمها بفرشاته، بعدما انسجمت ألوانه وتناسق بعضها مع بعض لتبدع شكلاً لم يكن موجوداً سوى في خياله. كما يمكن وصف «المتعة العقلية» بأنها ما يشعر به الأب حين يبتسم له طفله للمرة الأولى، لكن اللذة العقلية ليست دائماً وليدة الروح والريحان، بل قد تنساب من عذابات وآلام قاسية، لكن ينجح أصحابها في تحويلها إلى تجارب فريدة».
وهنا يستشهد الكتاب بتجربة تحدث عنها الشاعر الروسي الراحل «الكسندر سولزنشن»، الذي قال إنه تحمل تجربة السجن القاسية في معتقل «ليفورتوفو» لسنوات، بسبب رسم سجين آخر لخريطة العالم على أرضية الزنزانة، وهي بدورها ساعدته على تخيل نفسه مسافراً بحاراً كل يوم ينتقل من بلد إلى آخر. تجربة أخرى رائدة في كيفية تحويل صعاب الحياة إلى تجارب فريدة صاحبها المناضل الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا الذي سألوه: كيف تحملت قسوة السجن العنصري 27 عاماً، فكانت إجابته: لم تكن بالنسبة لي 27 عاماً، بل كنت أعيشها يوماً بيوم، كنت أشعر كل صباح أنني سأخرج ذلك اليوم.
ويحدد الكتاب الصادر ضمن مبادرة «كتاب في دقائق»، الذي تضمنه كتاب «الطريق إلى السعادة.. الطاقة الإيجابية سبيلنا نحو الإنجاز» آليتان واضحتان يمكننا من خلالهما الاستمتاع بحياتنا:

*محاولة إيجاد التوافق بين البيئة المحيطة بنا وأهدافنا.

*محاولة تغيير أساليب استيعابنا للظروف المحيطة بنا بحيث تتلاءم أكثر مع أهدافنا. 

تحقيق شعور الاستمتاع بالحياة

حين يفكر البشر في جعل حياتهم أفضل، ينصبّ غالباً تفكيرهم على أن السعادة تعني الرفاهية والطعام الجيد وكل ما يمكن أن يشترى بالمال. بينما ينزع آخرون إلى التفكير في أن السعادة تعني السفر للأماكن البعيدة والغريبة، ولقاء أشخاص رائعين، وشراء سلع باهظة الثمن، لكن المتعة التي تمثل جزءاً مهماً من رغد العيش، لا تجلب السعادة وحدها، فالطعام والكماليات والراحة ليست سوى «دواء مخدر»، يعيد الجسم إلى حالة الارتياح التي يحتاجها بعد تعرضه لبعض الارتباك النفسي، لكنها لا تسهم في النمو النفسي.
ويحدد الكتاب عدة آليات للاستمتاع بالحياة أهمها:
* الاضطلاع بمهام نستطيع إتمامها على أكمل وجه.
* التركيز فيما نفعل.
* يتحقق التركيز حين تكون المهمة هادفة.
* يثمر التركيز حين تلحق بالمهمة تغذية راجعة إيجابية.
* أداء المهام بانسجام ودون شعور بالضجر، مع نسيان الإحباطات والمشكلات اليومية.
* الخبرة الإيجابية الممتعة التي تجعل الإنسان يشعر بالسيطرة على مجريات أمور حياته.
* زوال الشعور بالانطواء والتمركز حول الذات.
ويقول الكتاب: «إن تلك العوامل كافية لتحقيق شعور غامر بالاستمتاع بالحياة، شعور أكبر من أي مكافأة، إنه الشعور الذي لا يقدر بثمن، والانطلاق من الذات والانسياب في عالم تغمره الطاقة الإيجابية».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"