تسويغ التضييق بداعي الحرية

04:24 صباحا
قراءة 3 دقائق

ليس بعيداً عن السياسة، وقريباً من عالم الفكر، تستوقف المرء بعض المشاحنات التي تجري في عالمنا العربي، ويستخدم أصحابها شعارات تمجد حرية الفكر، لكن هؤلاء لا يترددون في إبداء الضيق بالمختلفين، بل يسعون علناً للتضييق عليهم.

من ذلك الضجة الإعلامية التي ثارت في تونس قبل أيام، حول تلبية الدكتور يوسف القرضاوي لدعوة من وزارة الثقاقة التونسية، لمناسبة اختيار القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية. انطلقت أصوات تندد بدعوة القرضاوي لهذه المناسبة واستضافته على أثير قناة تلفزيونية محلية، باعتباره سلفياً رجعياً ومتزمتاً وسبق له انتقاد الحكومة التونسية.

أما أن يكون الداعية المعروف سلفياً في نظر العلمانيين فلا جديد في ذلك، كما لا يؤتى بجديد في تصنيف السلفيين للعلمانيين بأنهم يقدمون أحكام البشر على أحكام الدين.الخلاف والاختلاف بين الفريقين، لا يحتاج لتظهير ولا يحتمل أي إنكار.

المشكلة تبدأ وتكمن حين تضيق مساحة التعايش بين الأفكار، وحين يتم القفز عن الحق في التعددية، وحين تندلع الاتهامات القصوى ومعها التهويل المفرط.

بدلاً من الترحيب بالرجل ثم مناقشة أفكاره، والاعتراض عليها من طرف من يرغب في الاعتراض، فقد تم الاعتراض على مبدأ الزيارة. وهو أمر يصعب فهمه وتسويغه، خاصة أن الضيف ليس من الدعاة الهواة، ولا هو من أنصار العنف والتكفير، وليس كذلك من النكرات فنفوذه في العالمين العربي والاسلامي محل اعتراف وفوق الإنكار. وسوى ذلك فإنه من الطبيعي أن تتم دعوة شخصية كرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لمثل هذه المناسبة الإسلامية، فهل كان يتصور المعترضون أن مفكراً شيوعياً أو حداثياً على سبيل المثال، يمكن أن يكون اختياره صالحاً للمشاركة في مثل هذه المناسبة ؟

انتقد المنتقدون أن يتلقى القرضاوي دعوة من حكومة سبق له انتقادها. حسناً،إن ذلك يسجل للطرف الداعي، الذي تجاوز الانتقادات ولم يضعها عقبة أمام فتح الأبواب بل الترحيب، بمن سبق له توجيه انتقاد. فإذا كان المعترضون يحتسبون أن توجيه انتقاد من أي طرف تجاه أي طرف آخر يملي القطيعة والعداء، فهل يرتضون تبعاً لذلك أن يتم إقصاؤهم وقطع الحوار معهم، في حال انتقادهم هم لأي طرف محلي أو خارجي؟ هل هذه صيغة العلاقة الحضارية التي يرتجونها بين مختلفين؟.

يسترعي الانتباه أنه في الوقت نفسه وهو الخميس الماضي 12 مارس/ آذار الجاري، كان المفكر المغربي محمد عابد الجابري، يحاضر في المملكة العربية السعودية على هامش معرض للكتاب، وقد كتب البعض من الدعاة هناك وتحدث عما أسماه ضبابية وغموض طروحات الجابري، لكن الأمر لم يصل أبداً للتنديد بزيارته، أو الدعوة ل تحريم الحوار معه، كما عمد بعض الزملاء الإعلاميين في تونس، لدى استقبالهم القرضاوي الذي يلبي دعوة لزيارة ديارهم للمرة الأولى.

وبينما ترتفع أصوات عقلاء في عالمنا العربي، لفتح الحدود أمام انتقال الأشخاص والأفكار بغير حظر أو تصنيف مسبق للقناعات بين أبناء الأمة الواحدة، فإنه من المفارقة حقاً أن تصدر أصوات متفرقة ليس من هذه السلطة العربية أو تلك، بل من إعلاميين ومثقفين، ينكرون الحق في تداول الأفكار وفي انتقال الأشخاص، ويدعون لإنفاذ سلطة المنع، بدعوى اختلافهم الشديد مع أصحابها. ويا له من مسوغ نبيل، من شأنه في حال تعميمه والأخذ بمقتضاه، رفع الحواجز ليس بين مجتمعات مختلفة، بل ضمن المجتمع الواحد ما دام أن الاختلاف يسوغ في عُرفهم القطيعة وإدارة الظهر. والأغرب حين يعمدون في الوقت ذاته، الى اتهام سلطة ما بضيق الصدر، وذلك قياساً لما أبدوه هم من سعة صدر وأفق، حيال المختلفين معهم.

يعترض المعترضون على التزمت الشديد والانغلاق ورفض الحوار مع الآخر ولدرجة إنكار وجوده. وهو اعتراض في محله، فالبشرية قائمة على التعدد والتنوع الحضاري والثقافي، ولا غنى عن التعايش وتبادل الأفكار والخبرات بين من يقيمون على كوكب واحد.على أن الأصولية ليست لصيقة بتيار أو اتجاه دون سواه، فحيثما تنغلق الأذهان ويجري احتكار الصواب وإنكار الآخر.

تبرهن تجربتنا العربية أكثر فأكثر، في المشرق كما في المغرب، على أن الانفتاح والتشارك بين المكونات الاجتماعية والفكرية، هو ما يضمن تفتح المجتمعات ويرسي على المدى البعيد استقرار الدول بغير احتقانات ودون تربص متبادل، والمثال البسيط على صحة وسلامة هذا الخيار، أن مثل هذه المجتمعات المتفتحة هي التي تجتذب الزائرين وأهل المعرفة وطالبيها والمستثمرين. أما الانغلاق فإنه يُفضي للعزلة الداخلية والتباعد بين مكونات المجتمع كما عن العالم الخارجي، ويسد الطريق الى التقدم واستثمار الموارد البشرية ومحاورة العالم بثقة.

ليست مثل هذه السوانح بجديدة،غير أن واقعة جديدة وغريبة هي مدار هذا التعليق، استدرجت إعادة التذكير بهذه المعايير التي كان الظن أنها مستقرة في نفوس ورؤى من ينشدون الصالح العام لمجتمعاتهم ولسواهم.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"