مكان رفيع للكتابة

ثوابت مبدئية أنتجت جيلاً مبدعاً في الإمارات
03:55 صباحا
قراءة 7 دقائق

(1)

نستعيد في هذا العدد محطات من تاريخ الخليج الثقافي لمناسبة عيد الصحيفة الأم.. الخليج الاستقلالية، البيت الملاذ، الثوابت، المبدئية العائدة الى نهج وفكر صافيين وواضحين.

حملت الخليج منذ أول انطلاقة لها روح الأمة وضميرها الحر، ومن ثوابتها التي أرساها وعززها مؤسسوها الأفاضل ذلك الجانب الحيوي والمركزي وهو الجانب الثقافي.

لذلك، ولد الخليج الثقافي في كنف الصحيفة وتردد عليه عبر أكثر من ربع قرن اسماء ابداعية لها وزنها الثقافي محلياً وعربياً وعالمياً، وبقي الخليج الثقافي حياً وحيوياً ومتجدداً حتى الآن وطيلة تلك السنوات، ومن قلب هذا الملحق الجاد والمسؤول ثقافياً وأدبياً وابداعياً ولدت اسماء معروفة اليوم في القصة القصيرة والشعر والمسرح والفنون التشكيلية، وذلك وفق النهج الذي اختطته صحيفة الخليج بإيلائها ما هو ثقافي كل رعاية واهتمام من خلال الملحق والصفحات اليومية التي لا تقل أهمية عن الملحق الثقافي الأسبوعي، ونشير هنا ان اليومي الثقافي خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد نمواً ثقافياً لافتاً جداً في الإمارات يقفز في مرات كثيرة الى صفحتين وثلاث صفحات في بعض الأوقات وذلك لمواكبة ومتابعة كل الأخبار الثقافية والتغطيات والمتابعات من أصغر خبر الى أكبر خبر.

نقول ذلك وهو معروف للجميع لنعيد التأكيد على ان صحيفة الخليج تعتبر الثقافي في عملها ومادتها اليومية عنصراً رئيسياً وليس تابعاً أو هامشياً أو قابلاً للالغاء والتأجيل كما تفعل للأسف الكثير من الصحف العربية.

دور الخليج الثقافي إذاً، لا يحتاج الى شهادة، لأن هذا الدور الذي بدأ منذ ولادة الصحيفة الأم يتمثل اليوم بكوكبة من الكتّاب الذين من خلال منبر الخليج تكرست اسماؤهم إماراتياً وعربياً، وهنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر أحمد راشد ثاني، وسلمى مطر سيف، ومريم جمعة فرج، وثاني السويدي، وعارف الخاجة، وناصر جبران، وناصر الظاهري، وابراهيم مبارك وعبدالحميد أحمد وحبيب الصايغ ونجوم الغانم وخالد البدور وظبية خميس وخالد الراشد ومحمد المزروعي وسعد جمعة وعبدالرضا السجواني وصالحة غابش والهنوف محمد وخلود المعلا وفاطمة السويدي.. الخ.

وكان من الطبيعي بعد هذا الالتفاف حول الخليج والولادة الابداعية في رحابها، أن تنشأ مؤسسات ثقافية عاملة في الإمارات، ومن بينها اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات الذي واكبت الخليج إشهاره وتأسيسه وبرامج عمله مرحلة إثر مرحلة.

في هذه البيئة الثقافية النظيفة فتح الخليج الثقافي منذ أول ثمانينات القرن الماضي صفحاته لكافة الأشكال الابداعية من دون تحزب أو إلغاء أو تهميش لأي شكل على حساب آخر، وهنا نقول: إن الخليج الثقافي منذ بدايته وحتى اليوم هو منبر ثقافي مفتوح للحداثيين كما هو مفتوح لغير الحداثيين.. منبر مفتوح للكلاسيكيين كما هو مفتوح للمجددين.. منبر مفتوح للتراثيين والتقليديين كما هو مفتوح لدعاة التجديد والتحديث والتجريب.

ينشر الخليج الثقافي منذ أكثر من ربع قرن القصيدة العمودية الخليلية الكلاسيكية الى جانب قصيدة التفعيلة الى جانب قصيدة النثر، وشجع الملحق طيلة هذه السنوات على فتح المجال أمام الحوار القائم على الرأي والرأي الآخر، وشجع على إرساء قيم النقد، فقد كان ولا يزال المسؤول الثقافي يستكتب النقاد العرب ويوجه هذا الاستكتاب الى قراءة النتاج الابداعي الإماراتي خصوصاً ذلك النتاج الذي يكتب بأقلام شابة.

ولم يوجز الخليج الثقافي في اهتمامه بالاقلام المحلية فقط، بل انفتح مرحباً بالأقلام الخليجية، وكانت حصة الثقافة الخليجية أو الفضاء الخليجي هي من الأولويات منذ ربع قرن وحتى اليوم.

لذلك كانت الأسماء الخليجية البارزة اليوم في مشهد الكتابة العربية.. كانت حاضرة دوماً في الملحق من مثل: قاسم حداد وعلي الشرقاوي وعلوي الهاشمي وحمدة خميس وعبدالله خليفة وفوزية الرشيد وسيف الرحبي وليلى العثمان.. الخ.

ونشير أيضاً إلى أن الملحق الثقافي الذي تولى مسؤوليته عدد من الكتاب العرب كان أيضاً منبراً لأقلام عربية مرموقة من مصر ولبنان والعراق وسوريا وفلسطين واليمن والسودان، لا بل انفتح الملحق على اسماء من دول المغرب العربي وكان دائماً يبحث عما هو نوعي في هذه المادة الثقافية العربية المرحب بها حتى اليوم.

نقطة مهمة جداً نشير إليها هنا، وهي ان الملحق الثقافي كان وراء إبراز عدد كبير من الكتاب العرب المقيمين في الإمارات، وللحق ان بعض هؤلاء الكتّاب لم يكن معروفاً في بلاده، وهذا ليس عيباً، إلا أن هؤلاء العرب الذين ولدت أعمالهم الشعرية الشعرية والأدبية هنا في الإمارات شاركوا في الحياة الثقافية الإماراتية، وكان من الطبيعي ان يجد هؤلاء الكتاب العرب في الخليج باباً مفتوحاً للتعريف بهم وبإنتاجهم، وعلى عادة الخليج الثقافي وجد الحداثيون من هؤلاء الكتّاب مكاناً للكتابة، كما وجد زملاؤهم غير الحداثيين المكان نفسه من دون أي نوع من الفصل الثقافي.

نستعيد هذه المحطات من الملحق الثقافي ونحن نفتح قلوبنا الى احبائنا الكتّاب الإماراتيين والعرب جميعاً وبلا استثناء، والمعيار هنا ودائماً وأبداً هو النص الذي يفرض نفسه بقوة إبداعيته وموضوعه وجمالياته الفنية ومسؤوليته الثقافية لا أكثر ولا أقل، فمن خلال هذه الثوابت استطاعت الخليج تأسيس منبر ثقافي يعتبر النشر فيه امتيازاً وتكريساً للاسم الذي يدخل الى رحاب هذا الفضاء الاسبوعي ممثلاً في الملحق الذي نعتبره ايضاً روحنا وابننا وأشواقنا المتجددة.

واليوم، إذ نتحدث عن الملحق الثقافي بهذه الروحية، فإننا نطرح جملة من الأسئلة أمام زملائنا الكتاب في الإمارات.. ما الذي تريدونه من الملحق؟ كيف نعمل معاً لنرتفع بهذا المنبر الى مجرات وأفلاك انقى وأصفى وأجمل؟ كيف تسهمون معنا في عملية مواكبة هذا النمو الثقافي الذي تشهده الإمارات؟

نقول أيضاً ان قلوبنا وصفحاتنا مفتوحة الى النقد.. نقد المادة الثقافية ذاتها، والمهم أيضاً، ان الخليج الثقافي هو منبر مفتوح للحوار.. القيمة الثقافية الأكثر رفعة وأكثر حضارية، فهل نبدأ على قاعدة ذهبية واحدة وهي المسؤولية والجدية والرفاقية في العمل.

(2)

نخصص في هذا العدد صفحتين للشعر.. المادة التي تستحق فعلاً مثل هذا التخصيص.

كانت المبادرة من الملحق ذاته، إذ اتصلنا بعدد من الشعراء الكلاسيكيين والحداثيين على السواء، وحصلنا على نصوص عمودية وتفعيلية وقصائد نثر، إلا ان المفاجأة كانت هنا، إذ تبين لنا ان كل هؤلاء الشعراء لديهم من الشعر الكثير الذي لم ينشر.

يكتب هؤلاء الشعراء ولكنهم لا ينشرون، وعندما ذهبنا إليهم بهذه المبادرة استطعنا، إذاً، الكشف عن هذه النصوص وإخراجها كما يقولون الى النور.

إذن.. لا توجد أزمة شعر في الإمارات.

النقاد والمتابعون الثقافيون يقولون ان الشعر يتراجع في الامارات فيما تتقدم القصة القصيرة بأقلامها النسائية، والحقيقة ان الشعر يتقدم هو الآخر ولكن كما يبدو في الخفاء.

لماذا يحجم الشعراء عن النشر وطباعة الكتب؟.. هذا هو السؤال الذي خرجنا به بعدما تلقينا سيلاً من النصوص، ونظن هنا ان مزاجية الشاعر وطبعه المائل الى عدم الظهور الا بصيغة جمالية إبداعية مقنعة هو وراء مثل هذا الاحجام عن النشر.

على أية حال وجدنا طريقنا الى الشعر وإلى الشعراء.

سنقرأ لكل من سالم بوجمهور وكريم معتوق ومحمد بن حاضر وأحمد عبيد وعبدالله الهدية وهاشم المعلم وهي نصوص نعتز بها، وسوف نبحث عن نصوص اخرى وشعراء آخرين وهو بحث عن الشعر.. عن هذا الكوكب الذي لا يغيب حتى لو حجبته الغيوم وطغى عليه زمن الغبار.

بهذه المناسبة.. نأمل ان نصل الى أقلام جديدة نعتبر انها تمثل في ظهورها لو ظهرت.. تمثل العقد الأول من عام ،2000 ونحن نعرف ان كل قلم جديد او كل شاعر او قاص جديد إنما يتهيب النشر للمرة الأولى باعتباره مغامرة.

النشر للمرة الأولى صحيح انه مغامرة ولكنه في الوقت نفسه جرأة، والشعر في حد ذاته رديف للجرأة، لذلك، ومن هنا من هذا المنبر ومن هذا العدد الذي نحتفي به بالشعر نوجه الدعوة الى كل شاعر جديد ان يتوجه الى النشر من دون خوف، ومرة ثانية، النص الابداعي هو الذي يفرض نفسه وذلك من خلال حقيقته الفنية والجمالية والفكرية.

(3)

قبل فترة تناول الملحق الثقافي ما اعتبره بورصة للفن التشكيلي في الإمارات، وذلك من خلال ظهور عدد كبير من الغاليريهات المتخصصة في تسويق الأعمال الفنية، وفي السياق، بيعت لوحات تشكيلية لعدد من الفنانين وصلت أثمانها الى المليون درهم، وفي إطار النمو الثقافي المتزايد في الإمارات، يتبين ان هذا النمو ينطبق اكثر ما ينطبق على حركة الفنون التشكيلية في الإمارات، ففي اليوم الواحد قد تقرأ عن تنظيم معرضين أو ثلاثة معارض تشكيلية بين الشارقة ودبي وأبوظبي.

وبحق.. أصبحت الإمارات عاصمة للفنون بل وللثقافة بشكل عام، ولكن ما نشهده اليوم من ازدهار في المعارض وفي الغاليريهات وفي تسويق الفن التشكيلي إنما جاء نتيجة النهج الثقافي الذي انطلق أولاً من الشارقة، وذلك من خلال بينالي الشارقة الذي استقطب أعمالاً لكبار مبدعي العالم في هذا الفن. اضف إلى ذلك دور جمعية الفنون التشكيلية في الإمارات وورشات العمل التي انجزتها عبر اكثر من ربع قرن، إضافة الى سلسلة المعارض السنوية والدورية التي اشرفت عليها الجمعية.

في الإمارات ايضاً هنا تيارات فنية مختلفة بدءاً من الاتجاهات الواقعية مروراً بالاختبارات التجريبية وانتهاء الى تجارب الفن المفاهيمي، وقد واكب مجمل هذه الاتجاهات قراءات نقدية بأقلام إماراتية وعربية عززت بالتراكم من قوة التجارب الفنية الإماراتية وتكريس مكانتها المحلية والعربية والدولية.

هناك إذن تراكم تشكيلي محلي عمره أكثر من 25 عاماً وجد من يرعاه ويدعمه ويفتح أمامه بوابات الانتشار، وكانت النتيجة اليوم ان تحولت الإمارات الى مركز عالمي للفن التشكيلي، وفي ضوء ذلك اعتبر ان هذا الفن تتأسس له بورصة، وفي ضوء ذلك ايضاً يتم الحديث عمن يحدد هذه البورصة وعمن يضع آلياتها، وهكذا يتم الحديث أيضاً عن مسألة اقتناء الأعمال الفنية.. ومن هو المقتني وما دوره أو تأثيره في آليات هذه البورصة.

حركة الفنون التشكيلية، وحركة النشر وحركة الترجمة وحركة الطباعة والجوائز الثقافية والمشاريع المتخصصة في الثقافة.. كل ذلك يقع تحت بند واحد هو ان عجلة الثقافة في الإمارات توازي في مسارها اليوم عجلة الاقتصاد وباقي مكونات النمو الذي يضع الإمارات في موقع محترم في عالم اليوم الذي يحاول التخلص من ثقل السياسة بخفة الثقافة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"