توجد ملحوظة عامة، وتم رصدها، أن القصص الملهمة التي يتم بثها على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، أو حتى تلك التي تصلنا عبر تطبيقات التواصل على هواتفنا، تجد رواجاً واسعاً، وانتشاراً كبيراً، بينما الحقائق، على اختلافها، تعاني انحساراً في الاهتمام، وحاول العلماء والمختصون معرفة الأسباب.
وتبعاً لهذه المحاولات، وضعوا عدة آراء كمسببات لهذه الحالة من بينها أننا في عصر مزدحم بالمعلومات والبيانات، ومعها أصبح الناس في معاناة، وفي حالة تسمى إعياء المعلومات، وهو ما أدى إلى الهروب، إذا صحت الكلمة، من جمود تلك البيانات وجفاف المعلومات، إلى تلك القصص الدافئة التي تمنحهم معاني وتسرح بخيالهم وتفكيرهم بشكل ناعم ورقيق.
وهناك جانب آخر يتعلق بالإنسان نفسه، حيث إن الحقائق التي تصلنا كالمعلومات تمثل «ماذا؟» بينما القصص تمثل «لماذا؟» وهذه تتفق مع طبيعة الفضول البشري. العلماء وضعوا تفسيراً وتحليلاً علمياً، يقولون: إن الإنسان عندما يسمع قصة ملهمة يفرز الدماغ مادتين مهمتين وحيويتين، الأولى: الكورتيزول الذي يساعدنا على التركيز في أحداث القصة، والثاني: الأوكسيتوسين الذي يعرف بهرمون التعاطف، وهو الذي يجعلنا نشعر بمختلف جوانب القصة وأحداثها، بينما الحقائق التي تأتي في قوالب معلومات وعبارة عن بيانات، تكون جافة لا تسبب إفرازاً لتلك المواد.
يجب ألا ننسى أن القصة عندما تكون جيدة الحبكة والأحداث، كأنها تضع المستمع في حالة تنويم مغناطيسي، تفصله عن واقعه، وبالتالي، تنخفض لديه المقاومة الذهنية، أو القدرة على النقد الموضوعي. وهناك جانب آخر تم الحديث عنه، وهو أن القصة عندما تكون ملهمة كأنها ترسم محاكاة للإنسان، في كيفية التغلب على التحديات والصعوبات، بينما الحقائق تكتفي بإبلاغنا بوجود الصعوبات دون أن تعطينا أي طريق نسلكه، أو دون أن تمنحنا أملاً أو منفذاً لتجاوزها. وقد يستغرب البعض عندما يعرف أن تجنب الحقائق يتم بشكل معتمد، بل وتم رصده علمياً وسمي في علم النفس «تجنب المعلومات». والهدف من التجنب حماية النفس، لأن الحقيقة عندما تكون مؤلمة أو حزينة، أو محبطة، فالأفضل تجنبها واستبدالها بقصة ملهمة.
ولا ننسى الحقيقة عندما تكون صادمة وتهز قناعة راسخة لدينا، يتم رفضها. نعم هذه الحالة تعلي من قدر القصة، وتضعها في مكانة كبيرة، لذا؛ من الأفضل سرد الحقائق في قالب قصصي. وكما قال أحد رواد الذكاء الاصطناعي، وعلم النفس الإدراكي في القرن العشرين، البروفيسور الأمريكي روجر شانك: «البشر لم يتم إعدادهم بشكل مثالي لفهم المنطق، لقد تم إعدادهم، بشكل مثالي، لفهم القصص».
[email protected]