من الصعب الحكم على السياسيين، فهؤلاء الرجال والنساء الذين يقررون مصائر الشعوب والأمم، يتخذون من التاريخ مسرحاً للأحداث في أكثر لعبة تأثيرا في حياة الناس، ثم لا يحاكمهم التاريخ إلا حين يكونون خارج المحكمة، وعندها للحظ والظروف أيضا دور في الحكم على أداء هذا السياسي أو ذاك .
وإذا كان لكل سياسي أسلوبه في الحكم، فإن أول ما يميّز حكم جنرال موريتانيا الشاب محمد ولد عبد العزيز هو اعتماده عنصر المفاجأة، وسرعة التحرك، واتخاذ القرارات، والمزايدة حد قطع الأنفاس ثم التنازل حد العجب . ولعل كل ذلك من مفردات القاموس العسكري، والجنرال خلع البزة العسكرية واستقال من الجيش، لكنه بالتأكيد لا يفتقد اللياقة العسكرية .
في هذا الأسبوع السياسي في موريتانيا، فاجأ الجنرال الرأي العام بتكريس صورته كرجل حوار مرتين، المرة الأولى عندما وقف في قصر المؤتمرات عاتباً على المعارضة لأنها تحرم البلد من رأيها في القضايا الجوهرية، وبذلك يبكي الجنرال على القميص الممزق، فهو يخاطب المجتمع الدولي، وخاصة الأوروبيين الضالعين بقوة متزايدة في الملف الموريتاني، محملاً المعارضة مسؤولية رفض الحوار إثر امتناعها عن المشاركة في أول ملتقى فكري حواري تحت عنوان أي حكم سياسي نريده لموريتانيا بعد 50 سنة من الاستقلال، وبذلك يضع الجنرال الكرة خارج الملعب بعد أن علقت المعارضة كل تجاوب لها مع النظام الجديد بقبوله دخول ملعب الحوار السياسي ثم امتنعت في أول فرصة مواتية .
وكعادته لجأ الجنرال القوي إلى استدرار عطف الشارع عندما خاطب مئات الأطر والمسؤولين ورؤساء الأحزاب السياسية وقادة المنظمات المدنية والاجتماعية قائلاً إنه لا يمكنه العيش في برج من عاج بعيداً عن اهتمامات الشارع الموريتاني، وإن حكومته تنفذ رأي الأغلبية واختياراتها . مؤكداً مراراً على أهمية الحوار وكونه ضرورة ديمقراطية لا غنى عنها .
وأبدى ولد عبد العزيز أسفه لغياب المعارضة عن الحوار في القضايا الجوهرية، متهما إياها بالتركيز على الأمور الهامشية .
المرة الثانية عندما قطع الجنرال الجدل، ونفذ ما امتنعت عنه ثلاثة أنظمة سابقة، فأرسل وفداً من الحكومة والعلماء وجيشاً من الصحافة المحلية والدولية لتدشين الحوار مع قادة التيار السلفي الجهادي المعتقلين في السجن المركزي بالعاصمة نواكشوط، حوار هدفه لنحاور العشرات قبل أن نضطر لمقاتلة المئات .
ولأن المعتقلين السبعين يمثلون قوتين إحداهما فكرية، والأخرى دموية سفكت الدم في الليل والنهار على مدى السنوات الخمس الماضية وشكلت الذراع المحلية لتنظيم القاعدة، فإن الرئيس عزيز يقول بهذا الحوار إنه لا يريد ارتكاب أخطاء الدول الأخرى حتى الكبيرة التي فقدت في النهاية آلاف الضحايا وأكوام الأموال لأنها لم تفكر في غير عنجهية القوة حلا للإرهاب .
وقبل أن يغادر نواكشوط متوجها إلى أنقرة وطهران، في زيارة هي الأولى لرئيس موريتاني لهاتين الدولتين، برغم معارضة أطراف داخلية وغربية لعلاقة موريتانية متميزة مع نظام أحمدي نجاد، فاجأ الجنرال الرأي العام بتنظيم دعوة عشاء لرجال الأعمال الثلاثة الذين اعتقلوا في ملف البنك المركزي الموريتاني، وتصدرت قضيتهم الاهتمام الداخلي والخارجي قبل أن يطلق سراحهم وفق تسوية ودية .
عزيز بهذه الدعوة المفاجئة ينتزع الملعب من الأرضية تاركاً المعارضة في فراغ بعد أن تبنت وبكل قوة طيلة الفترة الماضية ملف رجال الأعمال، وبدت وكأنها تنسج خيوط كفن النظام عبر تأليب رأس المال المحلي ضده .
حقق ولد عبد العزيز من هذا الملف الكثير ومن بينه:
1 الظهور بمظهر الحاكم القوي الذي لا يخاف، والمحارب للفساد من دون هوادة، فاعتقال رجال الأعمال الثلاثة وهم من أثرى أثرياء البلاد وسيطروا عبر العقود الثلاثة الماضية على الدورة الاقتصادية للبلد عبر شبكة مصارفهم وشركاتهم واستثمارات الداخلية والخارجية، ويشاع أنهم يشغلون بشكل مباشر وغير مباشر 200 ألف عامل، قصد به الاستعداد لمواجهة الكبار قبل الصغار، وكما يقول المثل إذا ضرب الإمام خاف المؤذن .
2 حشر ولد عبد العزيز المعارضة في صورة المدافع عن المفسدين، والمعرقل للحرب على الفساد، والمنحاز للأغنياء على حساب آلاف الفقراء . وهذه النقطة حساسة عند الدهماء التي لن تستوعب دفاع قادة المعارضة عن رجال أعمال سددوا في النهاية عشرة مليارات أوقية من أموال الشعب التي استولوا عليها بدون وجه حق .
3 حقق مكسباً سياسياً واجتماعياً بقبوله الحل الودي، ثم أظهر نفسه لا يحمل غلا حتى لمن يعتقلهم ثم يدعوهم للعشاء في القصر الرمادي .
يشير المحلل السياسي الموريتاني البارز رياض أحمد الهادي على المعارضة الموريتانية بأن التجربة تؤكد أن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه فالجنرال إبان انقلابه الأخير، دعا لتشاور مفتوح حول الحكم في البلد، وبرزت بقوة فكرة تشكيل مجلس دولة يضم مدنيين وعسكريين لتسيير المرحلة الانتقالية، ولكن المعارضة ركزت على إفشال الانقلاب ومنع محاولات المجرم الاستفادة من جريمته، ثم عادت المعارضة لنظرية المؤامرة بعد نجاح الجنرال انتخابيا رغم تنازلاته المؤلمة في دكار، ويذكر بالمقاربة التي استخدمها الجنرال لمعالجة مخلفات الإرث الإنساني لسنوات الرعب 1989-،1991 ثم اليوم تسوية ملف رجال الأعمال ثم الأيام التشاورية الجديدة حول الحكم السياسي في البلد، وهي تحايل مدروس على توصية دكار باستمرار الحوار بين الفرقاء السياسيين .
ثم الحدث الأصيل المتعلق بالحوار مع السلفية الجهادية، والذي يلبي مطلب العلماء والسياسيين والرأي العام بضرورة محاورة الأهل قبل مقاتلتهم .
ويتساءل المحلل السياسي الموريتاني ما إذا كان الموريتانيون أصبحوا أمام رجل يؤمن بالحوار ومستعد للاحتكام إليه كلما دعت الحاجة، كما يعتقد يمين الأغلبية؟ أم أمام قائد يعرف متى وكيف يناور من أجل كسب معركة البقاء، كما يتصور يسار المعارضة؟ .
ويضيف، بالفعل وبغض النظر عن الفرق بين الحوار والمناورة، فالجنرال وضع مواطنيه ونخبة بلده السياسية أمام ديناميكية جديدة دفعت بالحوار إلى الواجهة ليصبح شائع التداول في سوق الممارسة السلطوية في البلاد . وبالطبع لن تتوفر كل الظروف الملائمة لإجراء حوار من النوع المثالي لأن الحوار أولا وقبل كل شيء قضية ميزان قوة .
ويمكن القول إن نصف نجاح الجنرال عزيز يكمن في المفاجأة التي أصبحت الضابط الرسمي لإيقاع حكم الجنرال التواق إلى الخروج على المألوف السياسي والاجتماعي في بلاده .
الأغلبية الموريتانية والـ 55 مطلباً
خلصت الأغلبية الرئاسية والنيابية في موريتانيا من خلال أول حوار سياسي عن الحكم في موريتانيا إلى التقدم للحكومة بتنفيذ 55 مطلبا، من أبرزها مراجعة الدستور، والمؤسسات الدستورية، وقانون الانتخابات والتقطيع الانتخابي والإداري الحاليين في البلد، وتوسيع دائرة الحوار السياسي، وجملة أخرى من المطالب الاقتصادية والحقوقية .
والحقيقة أنه لا جديد بتاتا في هذه المطالب التي تكررت، وتكرر يوميا في المنابر المختلفة وسبق طرحها عبر الملتقيات والأيام التشاورية السابقة .
أما قراءة الخليج للتوصيات في صياغتها الجديدة وتوقيتها الحالي فهي تكشف ما يلي:
منح الفرصة للنظام لإجراء التعديلات الدستورية التي تفصل المؤسسات على مقاسه، ودفعه لإجراء عملية تجميل سياسي في مراجعة مبكرة لنمط تسييره للبلاد .
إظهار تماسك الأغلبية الجديدة عبر تشكيلها لإتلاف أحزاب الأغلبية . وإظهارها بمظهر الأغلبية الحاكمة من خلال تنفيذ إرادتها والتشاور معها بعد الإهمال المريب الذي عانته طوال الأشهر الماضية على فوز مرشحها الرئاسي .
فتح الباب أمام مسوغات سياسية بإجراء تعديل وزاري منشود لتلبية بعض التوازنات من جهة، والتخلص من وزراء الأداء الضعيف والمخيب للأمل الذي ظهر به أكثر من ثلثي التشكيلة الحكومية الحالية .
ولأن الأيام التشاورية متداولة بين القوى السياسية الموريتانية، فإن الرأي العام بدأ يتجه لما ستسفر عنه خلاصة الأيام التشاورية التي ستنظمها المعارضة الموريتانية الشهر القادم، وفي انتظار تلك النتائج الأصيلة يمكن القول إن كل طرف سياسي موريتاني ليس في واد وحسب بل في أيام تشاورية . وهي الصيغة الموريتانية بامتياز للهروب في اتجاه شاقولي . . والمهم هنا بالنسبة لنخبة سياسية ذكية ومولعة بالسير في الخطوط المتوازية ألا يكون معطن الزمن جسرا للملل والركون للواقع الذي يستنسخ ذاته بشكل نمطي .