عبد اللطيف الزبيدي
هذه مسألة أدبية من زوايا أخرى. أو الأمر تحويل قضية أدبية إلى فكرة مجردة، ورؤية تطبيقاتها في مجالات أخرى. يتعلق هذا الطرح بما يسمى «الضرائر أو ما يجوز للشاعر دون الناثر». بعض قدمائنا اعترض على الجوازات الشعريّة، وعاب القائلين والقابلين بها. وعدّها بعض القدامى من الزلات الشنيعة حين ترد في أشعار الكبار، فما الذي يحوج المتنبّي مثلاً إلى تسكين عين «مع»، والسكون يذكّرك بالماعز؟ وعندما يبدع الشاعر خمسين بيتاً سلساً كالسلسبيل سليماً سوياً، هل ينبغي له تجاوز الإشارة الحمراء اللغوية؟ والجواز بعضه نشاز، والعداء الفواز غنيّ عن العكّاز.
نحن أمام قضيّة ظريفة وشائكة، فبأي حقّ يستطيع الشاعر أن يتخطى قوانين اللغة؟ هل هو قوة عظمى حتى يُجوز لنفسه دوس القانون الدولي؟ أم الشأن تسهيلات يحظى بها المبدع كُرمى لبعض الفوضى الخلاقة؟ المجال لا يتّسع لمسألة هامشية، وهي أن الكثير من الأبيات التي ترد فيها جوازات، تكون غالباً غير متألقة متكلفة. تلك إشارة خاطفة إلى ما يجوز للقويّ دون الضعيف.
قد تبدو الإشكاليّة سهلة للوهلة الأولى، فالذي فعله الأوائل الذين كسروا القواعد، فصارت الجوازات في حد ذاتها قوانين ألفت فيها كتب كثيرة، إنما هو أساس الإبداع، الذي هو إمّا إتيان بقوانين لم تكن موجودة، وإمّا كسر الموجود وتخطّيه إلى ما سواه بالجديد. ولولا حرية التصرف ما شهدت الفنون تطويراً وتحديثاً ومدارس وتيّارات مختلفة. لهذا نرى أمور النقد الأدبيّ والفنيّ تسير عكس مجرى الزمن، أي إلى الخلف. أقلام القادمين هي التي تعطي رأيها في المغادرين. تصوّروا العكس: ماذا لو سألنا المعري وأبا تمام رأييهما في الشعر الحديث؟ أو كيف يرى عمالقة مؤلفي الأوبرا روسيني وفيردي وفاغنر أغاني «هيفي ميتال» و«الراب»؟ هذه فوارق فادحة، لهذا تبدو صادمة، لأننا حذفنا ما بينها من التدرّجات الخفيفة، التي تمتصّ الصدمات العنيفة.
الآن، عليك أن تدرك ما حدث للعالم العربي، هو جوازات وضرائر أتاحها الأقوياء لأنفسهم تدريجاً، لضرورات «فنيّة، ديمقراطيّة، تحريريّة»، على مدى سنين طويلة، تماماً مثلما انتقلنا بعد قرون من الشعر العمودي، إلى المسمطات والموشحات، ثم جاء شعر التفعيلة، وعندما جاء الشعر الحديث استعذب الناس الفوضى الخلاّقة. وهذه ظاهرة عالمية، إنما الخصوصية العربية في تطبيق النسخة السياسية للضرائر على العرب.
لزوم ما يلزم: النتيجة الشعرية: الأمن القومي العربي مثل القصيدة الكلاسيكية: انكسر العمود.
هذه مسألة أدبية من زوايا أخرى. أو الأمر تحويل قضية أدبية إلى فكرة مجردة، ورؤية تطبيقاتها في مجالات أخرى. يتعلق هذا الطرح بما يسمى «الضرائر أو ما يجوز للشاعر دون الناثر». بعض قدمائنا اعترض على الجوازات الشعريّة، وعاب القائلين والقابلين بها. وعدّها بعض القدامى من الزلات الشنيعة حين ترد في أشعار الكبار، فما الذي يحوج المتنبّي مثلاً إلى تسكين عين «مع»، والسكون يذكّرك بالماعز؟ وعندما يبدع الشاعر خمسين بيتاً سلساً كالسلسبيل سليماً سوياً، هل ينبغي له تجاوز الإشارة الحمراء اللغوية؟ والجواز بعضه نشاز، والعداء الفواز غنيّ عن العكّاز.
نحن أمام قضيّة ظريفة وشائكة، فبأي حقّ يستطيع الشاعر أن يتخطى قوانين اللغة؟ هل هو قوة عظمى حتى يُجوز لنفسه دوس القانون الدولي؟ أم الشأن تسهيلات يحظى بها المبدع كُرمى لبعض الفوضى الخلاقة؟ المجال لا يتّسع لمسألة هامشية، وهي أن الكثير من الأبيات التي ترد فيها جوازات، تكون غالباً غير متألقة متكلفة. تلك إشارة خاطفة إلى ما يجوز للقويّ دون الضعيف.
قد تبدو الإشكاليّة سهلة للوهلة الأولى، فالذي فعله الأوائل الذين كسروا القواعد، فصارت الجوازات في حد ذاتها قوانين ألفت فيها كتب كثيرة، إنما هو أساس الإبداع، الذي هو إمّا إتيان بقوانين لم تكن موجودة، وإمّا كسر الموجود وتخطّيه إلى ما سواه بالجديد. ولولا حرية التصرف ما شهدت الفنون تطويراً وتحديثاً ومدارس وتيّارات مختلفة. لهذا نرى أمور النقد الأدبيّ والفنيّ تسير عكس مجرى الزمن، أي إلى الخلف. أقلام القادمين هي التي تعطي رأيها في المغادرين. تصوّروا العكس: ماذا لو سألنا المعري وأبا تمام رأييهما في الشعر الحديث؟ أو كيف يرى عمالقة مؤلفي الأوبرا روسيني وفيردي وفاغنر أغاني «هيفي ميتال» و«الراب»؟ هذه فوارق فادحة، لهذا تبدو صادمة، لأننا حذفنا ما بينها من التدرّجات الخفيفة، التي تمتصّ الصدمات العنيفة.
الآن، عليك أن تدرك ما حدث للعالم العربي، هو جوازات وضرائر أتاحها الأقوياء لأنفسهم تدريجاً، لضرورات «فنيّة، ديمقراطيّة، تحريريّة»، على مدى سنين طويلة، تماماً مثلما انتقلنا بعد قرون من الشعر العمودي، إلى المسمطات والموشحات، ثم جاء شعر التفعيلة، وعندما جاء الشعر الحديث استعذب الناس الفوضى الخلاّقة. وهذه ظاهرة عالمية، إنما الخصوصية العربية في تطبيق النسخة السياسية للضرائر على العرب.
لزوم ما يلزم: النتيجة الشعرية: الأمن القومي العربي مثل القصيدة الكلاسيكية: انكسر العمود.