تُعتبر مكاتب الميزانية في البرلمانات الحديثة من أبرز الأدوات التي تدعم الحوكمة المالية الرشيدة، حيث توفر آليات تحليلية ورقابية تسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة وضمان الاستخدام الأمثل للموارد العامة، وفي هذا السياق، تمثل تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في إنشاء مكتب دراسات الميزانية العامة للاتحاد، ضمن الهيكل التنظيمي للمجلس الوطني الاتحادي، نموذجاً رائداً في المنطقة العربية، يعكس طموح الدولة في ترسيخ مبادئ الإدارة المالية الحديثة وربطها بالأهداف التنموية بعيدة المدى.
منذ تأسيسه في العام 2022، شكّل مكتب دراسات الميزانية إطاراً مؤسسياً متقدماً عزّز من قدرة البرلمان على القيام بدوره الرقابي والتشريعي، فقد جاء إنشاؤه انسجاماً مع توجهات الدولة نحو تحديثِ منظومة المالية العامة، بما يتوافق مع قوانين ربط الميزانية العامة وقوانين الحسابات الختامية، وليكون منصةً تحليليةً تساعد في مراجعة السياسات المالية ورصد الأداء الحكومي، تمثل هذه التجربة امتداداً لتوجهٍ عالمي نحو تمكين البرلمانات من أدوات فنية مستقلة، كما هو الحال في مكتب الميزانية بالكونغرس الأمريكي ومكتب الميزانية البرلماني الكندي.
تتجلى أهمية مكاتب الميزانية في قدرتها على تحليلات محايدة تدعم عملية اتخاذ القرار داخل البرلمان، فهي لا تقتصر على قراءة الأرقام، بل تتجاوز ذلك إلى تحليل الاتجاهات الاقتصادية، وقياس كفاءة الإنفاق العام، ورصد مدى ارتباط الموازنات السنوية بالخطط الاستراتيجية الوطنية، وبهذا تصبح هذه المكاتب جسراً بين البيانات المالية المجردة ومتطلبات التشريع والرقابة البرلمانية، بما يعزز الاستدامة المالية ويحد من المخاطر الاقتصادية.
يلعب مكتب دراسات الميزانية في المجلس الوطني الاتحادي أدواراً متعددةً تبرز في ثلاثة محاور أساسية، أولاً، تعزيز الشفافية والمساءلة عبر تقديم تقارير تحليلية دورية تكشف حجم الاعتمادات غير المستخدمة، وتوضح الفجوات بين الخطط المعلنة والإنفاق الفعلي، مما يتيح للأعضاء مناقشة الحكومة على أسس موضوعية. ثانياً، دعم العملية التشريعية دراسة الميزانية العامة والحساب الختامي، وذلك من خلال تزويد اللجان البرلمانية ببياناتٍ ماليةٍ دقيقةٍ، وتحليلاتٍ معمقة تُمكّنها من تقييم أوجه الإنفاق والإيرادات، ومقارنتها بالأهداف والخطط المعتمدة، بما يساعد على تقديم ملاحظات مدروسة تعزز كفاءة إدارة المال العام. ثالثاً، تمكين الأعضاء عبر توفير أوراق موجزة وجداول مقارنة تساعدهم على طرح أسئلة دقيقة خلال الجلسات العامة، إضافة إلى بناء قدرات الباحثين البرلمانيين في تحليل الموازنات.
عمل مكتب دراسات الميزانية العامة للاتحاد على تطوير منهجية متكاملة لتعزيز كفاءة دراسة وتحليل الوثائق المالية، من خلال تطوير أدوات تحليلية متقدمة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنشاء منصات ذكية تدعم سرعة الإنجاز ورفع كفاءة تحليل البيانات المالية، مع مراعاة التوافق الكامل مع أحكام الدستور والاختصاصات المقررة للمجلس الوطني الاتحادي، كما يولي المكتب أهمية خاصة لبناء وتطوير الكفاءات الوطنية المتخصصة في مجالات المالية العامة والاقتصاد البرلماني، بما يعزز جاهزيته المؤسسية ويضمن استدامة دوره الرقابي والتحليلي.
وتُظهر المقارنة الدولية أن التجربة الإماراتية، رغم حداثتها، تسير بخطى متسارعة نحو مواءمة أفضل الممارسات العالمية، ففي حين يتميز مكتب الكونغرس الأمريكي باستقلاليته الكاملة وقدرته على بناء نماذج اقتصادية متقدمة، فإن مكتب دراسات الميزانية يتميز بقدرته على الربط بين الممارسات المالية الدولية والسياق المحلي، عبر تقارير مبسطةٍ وأوراقٍ موجزة تراعي احتياجات الأعضاء وسرعة إيقاع العمل البرلماني.
في المحصلة، تعكس تجربة مكتب دراسات الميزانية العامة للاتحاد في دولة الإمارات إدراكاً عميقاً لأهمية تمكين البرلمان من أدوات تحليلية مستقلة، تضمن الاستخدام الأمثل للموارد العامة، فهي تجربة تسهم في رفع كفاءة السياسات المالية وتعزيز الثقة المؤسسية، كما أنها تمثل نموذجاً يمكن تعميمه على المستويين الإقليمي والدولي، لاسيما في الدول الساعية إلى تطوير أطرها المالية والبرلمانية.
إن مستقبل هذه التجربة يتطلب الاستثمار في التكنولوجيا المالية، وتوسيع مجالات التعاون مع المكاتب النظيرة في العالم، وتعزيز الاستقلالية الفنية للمكتب داخل هيكل البرلمان. وبهذا، يظل المكتب حَجَر الزاوية في مسيرة التوازن بين الطموح التنموي والاستدامة المالية، ودليلاً على التزام الدولة بمبادئ الشفافية والمساءلة كركائز للحكم الرشيد.
* باحث رئيسي اقتصادي بالمجلس الوطني الاتحادي
إيمان محمد المرزوقي *
تلعب السياسات النقدية دوراً محورياً في تعزيز النمو الاقتصادي وإدارة السيولة النقدية، وتعد هذه السياسات من العوامل الأساسية، التي تؤثر في استقرار النظام المالي، وتحقيق الأهداف الاقتصادية للدولة.
تعتمد السياسات النقدية في الإمارات على أدوات رئيسية تشمل أسعار الفائدة، ونسب الاحتياطي الإلزامي، والعمليات السوقية المفتوحة، إضافة إلى ارتباط الدرهم بالدولار الأمريكي، ويقوم مصرف الإمارات المركزي بإدارة هذه السياسات، بهدف الحفاظ على استقرار النظام النقدي والمالي، وتهيئة بيئة محفزة للأعمال والاستثمار، ودعم الأنشطة الاقتصادية المنتجة، بالإضافة إلى توفير بيئة مالية مستقرة، مع ضمان توفر السيولة، بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد.
ومن هنا نتساءل: ما هي الأنشطة الاقتصادية المنتجة، وما هي علاقة السياسات النقدية للمصارف المركزية بالأنشطة الاقتصادية المنتجة، وكيف ترتبط الأنشطة المنتجة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة؟ هذه الأسئلة تعد جزءاً محورياً لفهم العلاقة بين السياسات النقدية والنمو الاقتصادي، وتحديد كيفية تأثير هذه السياسات في قدرة المشاريع الصغيرة والمتوسطة على النمو والتوسع.
إنّ الأنشطة الاقتصادية المنتجة، هي الأنشطة، التي تُسهم بشكل مباشر في خلق قيمة اقتصادية جديدة، وتعزز النمو الاقتصادي، من خلال إنتاج السلع أو تقديم الخدمات، لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة، وتلبية احتياجات المجتمع، من خلال توفير فرص العمل وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، ومن أبرز الأمثلة عليها المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث أشار تقرير حديث صادر عن البنك الدولي إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة، تمثّل نحو 90% من إجمالي الشركات، وتوفر أكثر من 50% من فرص العمل، وتسهم بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات الناشئة، وهو ما يشير إلى تأثيرها الاقتصادي الكبير.
وأدركت دولة الإمارات العربية المتحدة أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة كركيزة للتنويع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية، والأسواق الخارجية، ولعبت السياسة النقدية دوراً محورياً في توفير بيئة مالية مواتية لدعم هذه المشاريع، مما أسهم في تحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التحديات الاقتصادية، وهذا ما انعكس على الناتج المحلي الإجمالي للدولة، حيث أسهم قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، في العام 2022، في ما نسبته (63.5%) في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، ونمت أعداد الشركات المملوكة للإماراتيين (10.4%).
وعلى الرغم من جهود الدولة الحثيثة لهذا القطاع، إلا أن هذه المشاريع تواجه العديد من التحديات المتعلقة بالسياسات النقدية، ولعل من أبرزها صعوبة الوصول إلى التمويل، فغالباً ما تواجه هذه المشاريع صعوبات في الحصول على قروض، بسبب نقص الضمانات، وأيضاً ارتفاع تكلفة الاقتراض، نتيجة مخاطرها المرتفعة، في ظل التغيرات الاقتصادية، مما يجعلها أقل استقراراً، مقارنة بالشركات الكبيرة.
وأكدت مؤسسة التمويل الدولية أن فجوة تمويل قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، تقدر عالمياً بنحو 5.3 تريليون دولار سنوياً، تلك الفجوة من الصعب رأبها، بالاعتماد فقط على آليات التمويل التقليدية، من خلال القطاع المصرفي، ولاسيما في ظل التطورات التقنية المتسارعة، التي أدت إلى ظهور آليات جديدة لتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي باتت تحظى باهتمام إقليمي ودولي واسع النطاق، لعل من أهمها منصات التمويل الجماعي.
وأكد على ذلك صندوق النقد العربي، على الرغم من الأهمية الكبيرة لهذه المؤسسات، «إلا أنها تُواجه تحديات على صعيد النفاذ إلى التمويل، من خلال القنوات المالية التقليدية، وعلى رأسها التمويل من خلال القطاع المصرفي، موضحاً أن إحصاءات الصندوق تشير إلى أن نحو 9% فقط من إجمالي التسهيلات المصرفية في الدول العربية، تتوجه إلى هذه المؤسسات، وهو ما يُسفر عن فجوةٍ تمويليةٍ كبيرةٍ نسبياً، تواجه هذا القطاع المهم، وتؤثر في قدرته على المساهمة بشكل أكبر في التشغيل والناتج المحلي الإجمالي».
وأكدت دولة الإمارات، في المؤتمر الوزاري الثالث عشر لمنظمة التجارة العالمية، من خلال التقرير الذي عرضته حول «التجارة العالمية الشاملة» وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة، أن التمويل يعتبر إحدى العقبات الرئيسية، التي تحول دون مشاركة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في التجارة العالمية.
ولقد استشرف المجلس الوطني الاتحادي، منذ تأسيسه، أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وناقش دورها الحيوي في الاقتصاد الوطني، حيث وجه العديد من الاستفسارات، وتبنى العديد من الموضوعات العامة المحورية تحت قبة البرلمان، وركز في جميع مناقشاته على تأثير التمويل في قدرة هذه المشاريع على التوسع والنمو، إضافة إلى ذلك ناقش ضرورة تقديم الحوافز المتنوعة لهذه الفئة، من خلال مناقشة سياسة وزارة الاقتصاد، ومناقشة المجلس للقانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2014 بشأن المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الذي أكد من خلاله على إنشاء مجلس المشاريع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وذلك إيماناً من المجلس بأهمية هذه المشاريع في دعم الأفراد، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعزيز الاقتصاد الوطني.
وفي الختام، نؤكد أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تشكل ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز فعالية السياسات النقدية، وتعد أمراً ملحاً، من خلال تبني سياسات تيسيرية موجهة لها، مثل تقديم قروض ميسرة وتسهيلات ائتمانية بأسعار فائدة منخفضة، وتحفيز الابتكار، مما يمكّن هذه المشاريع من الإسهام بفاعلية في دفع عجلة النمو الاقتصادي، وتعزيز التنمية المستدامة.
*باحث رئيسي اقتصادي بالمجلس الوطني الاتحادي