تعاقبت الإمبراطوريات التقليدية في الهيمنة على المعمور الأرضي، قام بعضها على مهلٍ وعمّر قروناً كالإمبراطورية الرومانية، أو الخلافة العباسية. ونهض بعضها الآخر سريعاً واضمحل فجأة، حيث قاده غزاةٌ وفاتحون مروا كالشهاب الخاطف كالإسكندر الأكبر، وتيمور لنك، وجنكيز خان، وفي الحالين لم ينشأ نظام راسخ للعلاقات الدولية. لكن، ومع مطلع القرن السادس عشر، أخذ مفهوم النظام العالمي يتشكل تحت قيادة الغرب الذي فرض سيطرته على الكرة الأرضية عبر حركة الكشوفات الجغرافية، والسيطرة على أعالي البحار والمحيطات والتحكم في المضايق وحركة التجارة. ولأربعة قرون على الأقل استمرت هيمنة الغرب العالمية، ولم تشهد سوى تحولات داخلية، أي انتقال مركز الهيمنة من دولة غربية إلى أخرى.
في هذا السياق توالت الدول المحفزة على قيادة المركزية الغربية: أولى تلك الدول هي هولندا التي انسلخت من سيطرة آل هابسبورغ النمساوية في أواخر القرن السادس عشر، لتقود حركة التجارة العالمية على قاعدة النزعة المركنتيلية، الأكثر تطوراً بالقياس إلى البنية الراكدة للإقطاع طوال القرون الوسطى، فكانت أول دولة إقليمية حديثة تبرر وجودها علي أساس اقتصادي وليس على أساس ديني أو عسكري، ما أسهم في ترسيخ مفهوم الدولة القومية الحديثة. وثانيها فرنسا التي لعبت دور الأمة المحفزة للتاريخ طوال القرن الثامن عشر بإلهام مثل التنوير العليا كالحرية والإخاء والمساواة، وبقوة دفع الثورة البورجوازية التي حاولت فرنسا من خلالها أن تغير الآخرين، فدخلت تحت قيادة نابليون في صراع مع أغلب الملكيات الأوروبية المحافظة، حول حق تفسير التاريخ، استمر لثلث القرن، انتهى بهزيمة الرجل ونفيه وتوقيع معاهدة واترلو 1815م، التي أنهت دورة الهيمنة الفرنسية. وثالثتها بريطانيا العظمى التي ارتادت آفاق الثورة الصناعية الأولى، ولعبت دور اللاعب المحوري في السياسة الدولية طوال القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، وبالذات في العصر الفيكتوري (1837 1901) الذي شهد هيمنة شبه كاملة، كانت بريطانيا خلالها هي سيدة البحار والمحيطات، أتاحت لها سطوتها البحرية والاقتصادية تأثيراً حاسماً على القارة الأوروبية من خلال استراتيجيتي: التحالفات المرنة، والعزلة العظيمة، ومكنتها من بسط سيطرتها الاستعمارية على شرق العالم وجنوبه، قبل أن تبدأ مسيرة تراجعها بنهاية الحرب العالمية الأولى، وتتسارع بنهاية الحرب الثانية، خصوصاً بعد تزايد الضغوط عليها من قبل حركات التحرر القومي التي حرمتها من جُلّ مستعمراتها، ولم تترك لها سوى جسد ضعيف من جغرافيا ربع مليونية قوامها من الجزر البحرية، لم تعد تصلح سوى لدولة متوسطة وليس لقطب عالمي.
أما الرابعة فهي الولايات المتحدة، التي لعبت دور الدولة المحفزة للتاريخ منذ مطلع القرن العشرين استناداً إلى مبادئ الرئيس وودرو ويلسون الأربعة عشر عن حق الشعوب المستعمرة في تقرير المصير، والتي ألهمت حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الأوروبي في مناطق كثيرة من العالم. ثم ارتقت إلى موقع القطب العالمي أعقاب الحرب الثانية، استناداً إلى مقومات إيجابية عدة: جغرافية سياسية، وقانونية، وثقافية، واقتصادية، وفرت له الكثير من مصادر الجاذبية والإلهام وجعلت دورها مقبولاً من الآخرين. وبنهاية الحرب الباردة تبدت قطباً عالمياً وحيداً، تتوافر له جُلّ أشكال القوة، الصلدة والناعمة، ما أغراها باستخدام القوة دونما ضوابط أو قيود، كما جرى ضد أفغانستان والعراق وإيران، على نحو أرهقها ونال من سمعتها.
اليوم، أخذت الهيمنة الأمريكية في التآكل، ويكفي للتدليل على ذلك المؤشر الاقتصادي، إذ تراجع ناتجها القومي قياساً إلى الناتج العالمي من 40% منتصف القرن الماضي إلى 20% منتصف العقد الثالث من القرن الحالي. وعلى عكس بريطانيا التي قبلت بغروب شمس الإمبراطورية منتصف القرن الماضي، لأن وريثها الأمريكي كان من صلبها الحضاري: الديني والعرقي والثقافي، تدرك الولايات المتحدة أن وريثها ليس سوى الصين، قطب الرحى في عالم الشرق الآسيوي. والخوف هنا أن يغطى كبرياء القوة على حكمة التاريخ، وأن تنزلق أمريكا إلى سلسلة من الحروب، كأسد جريح، لا يتوانى عن إحراق غابة واسعة، للحفاظ على سطوة غاربة.
[email protected]
في زيارته الأخيرة للصين شعر الرئيس الأمريكي بحفاوة استقبال تعكس التهذيب التقليدي لدى الصينيين، لكن الحفاوة لم تقف حائلاً دون تمرير الرسائل المقصودة إلى الضيف الكبير، وعلى رأسها اثنتان لهما قيمتهما الرمزية. الأولى تتعلق بالندية الكاملة بين البلدين، فالذي استقبل ترامب في المطار هو نائب الرئيس، أما الرئيس شي جين بينغ فانتظره في قصر الشعب، كما يجري عادة مع سواه من الزعماء، دونما استثناء برتوكولي، وذلك ما لا يجرؤ عليه في عالم اليوم سوى الصين وربما العرش البريطاني. والثانية تتعلق بتحذير الرئيس الصيني لضيفه من الوقوع في فخ ثيوسيديدس، والأخير هو القائد والمؤرخ العسكري اليوناني، الذي أرخ للحرب البيلوبونيزية أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، بين إسبرطة القوة البرية الراسخة، وأثينا القوة البحرية الصاعدة آنذاك، والتي حاولت إسبرطة منع صعودها فنشبت الحرب بينهما. حذر الرئيس الصيني نظيره الأمريكي من دور إسبرطة، داعياً إلى علاقة تنافسية تنطوي على تبادل المنافع بين بلديهما بديلاً عن علاقة صراع صفري يخسر فيه البلدان، والعالم.
والحقيقة أن ما طلبه الرئيس الصيني هو ما كانت أمريكا تفعله طيلة الربع الأخير من القرن العشرين. كانت الصين تعيش نهضة شاملة، لكن الفوارق كانت لا تزال كبيرة مع أمريكا، فكانت الأخيرة واثقة بنفسها، وفي النظام العالمي القائم، تُعلي من شأن القواعد القانونية المؤسسة له في العلن حتى لو خانتها في السر، كي لا تبدو وكأنها تنال من الأصول التي شيدتها، ولذا استمر النظام قائماً، بمنظمته الكبرى التي تحتضن مقرها الرئيسي، ومؤسساته الاقتصادية الواقعة تحت سلطانها الفعلي، ما ضمن لها نفوذاً واسعاً وممتداً، نجحت بفضله في إدارة صعود الصين واحتواء طموحاتها، حيث نقلت إليها مصانع الثورة الصناعية الثانية، فاستفادت من ذلك ولو لفترة مؤقتة.
أما اليوم فقد تغير الوضع، وزالت الفوارق بين البلدين في كثير من المجالات، وضاقت في بعضها. نعم لا تزال أمريكا تسبق بخطوة في حقول التكنولوجيا الفائقة، لكن الكتف صار في الكتف، وهو وضع غير مريح لدولة اعتادت الهيمنة المنفردة، يتطلب التكيف معه قدراً كبيراً من حكمة الدولة وحذق النخبة، لا يبدو متوفراً الآن. فالرئيس ترامب، الذي قُدِّر له أن يقود هذه المرحلة في تاريخ الولايات المتحدة يمثل نموذجاً نقيضا للرجل الذي قادها إلى الانتصار في الحرب الباردة، وكذلك للرجل الذي قادها في حقبة العولمة، كونه يسير بسرعة على طريــق السلطوية، ينفرد بالكثير من القرارات، ويتغول علـى سلطة الولايات، وكذلك على سلطات الكونغرس والمحكمـــة العليـــا، ويمعـــن في حصار البؤر الحية داخل المجتمع، وعلى رأسها المراكز الإعلامية والمؤسسات البحثيـة، والجامعات الكبرى بكل رمزيتها العالمية، خصوصاً هارفـارد التي ساومها على حريتها الأكاديمية مقابل الدعم المالي الفيدرالي. ثمة أيضاً عــداؤه للمهاجرين رغـــم أن أمريكا في الأصل أمة مهاجرين، وجميعها سياسات تقلل من جاذبيتها، وحضورها المألوف. يتواكب مع ذلك التراجع الداخلي فقدان متزايد للنفوذ الخارجي، نتيجة لسياسات ترامب التجارية، ونزعته العسكرية، وميوله الانعزالية، التي دفعته للانسحاب من جل المنظمات المتعددة الأطراف، وإلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية، بكل ما كانت تقدمه من مساعدات للدول الفقيرة. نعم وفّر هذا القرار بضع عشرات من المليارات، لكنه نال كثيراً من نفوذ أمريكا الذي جعلها حاضرة ومؤثرة في كل بقاع الدنيا دون جهد عسكري يذكر. وعندما تفقد هذا النفوذ، وتشعر بتضاؤل هيبتها، فالطبيعي أن تسعى إلى تعويض ذلك بمستويات متصاعدة من استخدام القوة العسكرية.
في المقابل تبدو الصين أكثر حكمة في إدارة هبوط أمريكا الاستراتيجي، إذ لا تحاول الاشتباك معها، لكنها لا تتردد في سد الفراغ الذي تتركه، وربما بطرق أفضل كثيراً منها، خصوصاً في خريطة المنح الاقتصادية. فالصين لا تقدم مساعدات مالية بقدر ما تنشئ بنية أساسية كالموانئ التجارية والمصانع التي تنطوي على الحد الأدنى من التقنية، وأيضاً ملاعب الكرة بنظام حق الانتفاع، وأحياناً تقوم بتشغيل تلك المرافق، ما يعني استثماراً مباشراً من دون اقتراض وديون تُفقر الدول الفقيرة أصلاً، وتُفسد نخبها السياسية والمالية.
وهنا تكمن المفارقة، فمحاولة تعطيل صعود الصين الاقتصادي والتقني، أصبحت آلية لتسريع فقدان أمريكا نفسها سبقها السياسي والاستراتيجي، فسلوكياتها العنيفة والمضطربة تنال من تحالفاتها التقليدية، بينما تكتسب الصين حلفاء لم يكونوا من الأصدقاء. فالهند والبرازيل قوتان كبيرتان كانتا حليفتين لأمريكا، لكنهما اليوم أقرب للصين. أما محاولة ترامب احتواء روسيا وعزلها عن الصين بوعود إنهاء الحرب الأوكرانية فغير مجدية، لأن ما يجمع بين روسيا وأمريكا أقل كثيراً مما يجمع بين روسيا والصين، سواء على صعيد المصالح الاقتصادية كالطاقة والتكنولوجيا، أو على صعيد الهوية الجيوسياسة، حيث الشراكة في حدود تزيد عن أربعة آلاف كم، والانتماء إلى النطاق الاستراتيجي الأوراسي، فضلاً عن الإرث الإيديولوجي المعادي للمركزية الغربية، إذ ينتمي كلاهما، بدرجة أو بأخرى، لما يمكن تسميته بـالشرق الحضاري.
[email protected]
أنتج الفكر النهضوي العربي، في واحدة من أكثر تجلياته خصوصية، نظرية «المستبد العادل»، الفكرة ليست شاذة تماماً، فقد استبطنها بعض التنويريين السابقين على الثورة الفرنسية، كفولتير متأثراً برعاية الملك فريدرك الثاني، ملك بروسيا بين (1740ـ1786)، الأكثر انفتاحاً على أفكار عصر التنوير، والملكة كاترين الثانية إمبراطورة روسيا بين (1762ـ1796) المولعة بالفلسفة الفرنسية، والمتعاطفة مع الأفكار التنويرية، ولعل حياة الثائر جمال الدين الأفغاني، وعلاقته بحكام السلطنة العثمانية وبعض ولاة الأمصار العربية في زمانه تشي باستبطانه تلك النظرية، التي صرَّح بها الإمام محمد عبده، معتبراً أنها المدخل العملي لحل معضلة السلطة والشرعية في المجتمعات العربية الإسلامية، التي استمرت، حتى نهاية القرن التاسع عشر، مشغولة بالمفاهيم التقليدية عن الأمة والجماعة والشورى، والتي تهدف إلى تحقيق التكامل المجتمعي على قاعدة التراحم الإنساني، ولم تكن تكترث كثيراً بمفهوم الحرية الفردية، وما ينبثق عنه من عقد اجتماعي أو نزعة ليبرالية أو ديمقراطية تمثيلية.
حسب فهم الإمام فإن الحاكم القوى، إذا ما كان عادلاً بين الرعية، أميناً على الأمة، يمكنه أن ينوب عنها في تحقيق مصالحها الكلية، هذا القول قد يكون صادقاً في العموم، بل وله منطق يفسره، وهو أن الحاكم القوى الأمين، القادر على نشر العدل ورعاية المواطنين، والمتحرر من ضغوط جماعات المصالح ومراكز القــوى، قد يكون أفضل من نظام ديمقراطـــي تعـــددي، ينطـــوي على جماعات ضغط متحفزة، ويرتكـــز على أحزاب مختلفة في الميول الإيديولوجية، والمواقع الاقتصادية، وكذلك في رؤية العالم وكيفية التعاطي مع الآخر الحضاري، هذا الاختلاف يجعل إدارة الشأن العام نتاجاً لعمليات مساومة صعبة وتفاوض دائم وصدامات محتملة تجعل من عملية اتخاذ القرارات العملية، وإحــداث التغييـــرات الكبـــرى مهمـــة صعبـــة، إذ تفرض على القائد حدوداً في الحركة وقيــــوداً في الزمن لا يستطيع تخطيها إلا بصعوبة بالغة، ولعلنا جميعاً نتذكر مراراً كيف أوشكت الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة أن تسرح موظفيها، لعجزها عن تدبير مرتباتهم، بفعل تأخر اعتماد الميزانية العامة إثر الخلاف بين الرئيس والكونغرس حول القضايا المختلفة!
ولا شك في أن قضية مثل هذه أقل خطورة بكثير عن قرار إعلان الحرب، والذي يكون للوقت فيـــه أثر حاسم في توجيه الصـراع أو كسب المعـارك، وبدرجات مختلفــة يمكن تمديد المنطق نفسه إلى عقــد معاهــدات ســـلام يمكن أن تكون مفيدة، أو بناء تحالفات استراتيجية يمكن أن تكون مؤثرة، أو توقيع صفقات تجارية قــد تكون مربحة، وجميعها يمثل الوقــت عنصراً حاسماً في إنجازها، على نحو يجعل المساومات المعقدة حولها عبئاً ثقيلاً قد يؤدي لإفشالها أو تقليل العائد المتوقع منها.
غير أن الدرس الذي يعلمنا التاريخ إياه، دولاً ومجتمعات، هو أن الاستبداد لا يمكن أن يكون عادلاً، حتى لو وجد المستبد العادل، وكان عهده زاخراً بالرخاء حقاً، على منوال الفاروق عمر بن الخطاب، أعدل حكام الزمان، الذي أسس الدولة على قاعدة العدل والشورى والاجتهاد، فحضور مثله يُعد صدفة رائعة لا تتكرر كثيراً، ولا يتوجب على مجتمعاتنا أن تنتظرها، أما الاستبداد نفسه فيمثل بنية معقدة، تقود إلى الفساد والترهل والركود، بقوة دافعين أساسيين:
الدافع الأول: أن المستبد العادل لن يتمكن من ممارسة سلطته المباشرة على نطاق دولته، لأن طاقته الإنسانية محدودة، وقدرته على المتابعة الكاملة مستحيلة، وفي ظل مجتمعاتنا الحديثة، القائمة على التخصص وتقسيم العمل، لن يكون قادراً على فهم جميع الظواهر المحيطة به، بالقدر الذي يتيح له اتخاذ القرارات في شأنها، إذن فهو إما غير قادر على رؤية كل شيء بنفسه، وإما غير قادر على فهم حقيقة كل ما يراه، وفي الحالين سيكون مضطراً للاستعانة بآخرين لينقلوا إليه ما لم يره بنفسه وهم (رجال السياسة والإدارة). أو ليحللوا له ما استغلق عليه فهمه وهم (رجال العلم والمعرفة)، ومن ثم يتحول الصنفان من الرجال إلى حكام حقيقيين، سرعان ما يصطبغون بالبيئة التي يحكمون منها وفيها: فهي إما بيئة متفتحة، يسودها القانون، تخضع لرقابة البرلمان، ويشرف عليها الإعلام الحر، تجعل منهم نخبة جيدة. وإما بيئة مغلقة وفاسدة، تغيب فيها الشفافية والرقابة البرلمانية الفعالة، تجعل منهم بطانة سوء، وجماعة مصلحة، تجد السلطة في يدها ثمرة يانعة، تقبض على زمامها بسهولة لتدبر من خلالها منافعها.
والأمر الثاني أن الحاكم مهما كان صحيح البدن، ليس له سوى العمر البشري المحدود، الذي ينقضي ليرثه آخرون، يكون عدلهم أمراً محتملاً، بينما استبدادهم أمراً مؤكداً، فلم يعرف التاريخ تقريباً حاكماً عادلاً ورثه من هو أعدل منه، فيما ورث الحكامَ الفاسدين من هو أفسد منهم. درس التاريخ أخيراً.. أن الحاكم العادل ليس إلا صدفة، لا يتوجب انتظارها، أما العدل نفسه فقيمة يتوجب السعي إليها، لتكون ديدنها في كل شؤون حياتها، كي تبقى سيدة لنفسها، مالكة لمصيرها، عصية على الغواية والخداع.
[email protected]
على عكس التيار المادي في التنوير الألماني، والذي أنكر وجود الإله مثل لودفيج فيورباخ أو ادعى موته مثل نيتشه، اكتفى العقل الفرنسي بالتشكيك في وجوده، حيث اتخذ متنورو القرن الثامن عشر الفرنسيون، عدا الفيلسوف بارون دي هولباخ، مواقف تراوحت حول اللاأدرية مثل ديدرو، والربوبية كفولتير وروسو، وصولاً إلى تيار التفكيك وعلى رأسه فرانسوا ليوتار، وجاك دريدا وميشيل فوكو، مروراً بـأوغست كونت، أحد أبرز مفكري القرن التاسع عشر، الذي ألمح إلى ميلاد دين إنساني على أنقاض الدين التقليدي، عبر تحقيبه الشهير لتاريخ الوعي البشري، والذي ميّز فيه بين مراحل ثلاثة أساسية وهي: الفكر الديني/ اللاهوتي. ثم الفكر الميتافيزيقي/ ما وراء الطبيعي. ثم الفكر العلمي/ الوضعي ربيب العقلانية الحديثة.
الانتقال بين هذه المراحل هو انتقال تقدمي بالضرورة، فالمرحلة الدينية هي الأكثر بدائية، فيما تمثل المرحلة الميتافيزيقية مرحلة وسطى بين الفكر الديني والعقلاني. أما المرحلة الوضعية فتتجاوز كلتيهما نحو وعى جديد أرقى ينسخ ما قبله. ما يعنى نهاية الدين كوعي ماضوي لمرحلة معينة في التاريخ، والكف عن طرح السؤال القديم حول الأصل والمعني: لماذا؟ والانشغال فقط بالسؤال الجديد حول المعرفة والوسيلة: كيف؟ والحقيقة أننا نختلف مع كونت حول الصدقية التاريخية لذلك التحقيب الذي هيمن على جل أدبيات التفكير العربي دون مقاومة تذكر، خصوصاً ذلك التيار الموصوف بالحداثة والعلموية. ففي اعتقادنا، يعاني هذا التحقيب من تشوش يضيق من أفق مفهوم الحقيقة ويتنكر لتاريخها الطويل، وهو ما ندلل عليه بأمرين أساسين:
الأمر الأول: هو أن ثمة حقبة بدائية، لعلها الأطول في تاريخ الفكر الإنساني، تسبق المرحلة الدينية، هيمنت عليها الأسطورة وتسيدها الفكر الخرافي، فالفكر الأسطوري يفتقد لكل شروط التأمل النظري المتماسك كما نفهمه الآن. ومن ثم فإن الفكر الديني الذي هيمن على الحقبة الكلاسيكية، وأسهم في تشكيل الحضارات الكبرى سواء في الشرق: الأدنى والأقصى، أو في الغرب الأوروبي حتى القرن الرابع عشر على الأقل، يمثل مرحلة وسطى، أكثر نضجاً، في تاريخ العقل البشري، هي التي أسلمته إلى المرحلة الوضعية، التي تحكمه الآن.
بل إننا نذهب إلــى أن التصورات الوجودية الكامنة فـي الأديان الراقية، خصوصاً الدين التوحيدي، قد أسهمت في دفع البشرية على طريق العلم الحديث الذي لم يكن ممكناً إلا استناداً إلى مبادئ أنطولوجية تنهي التفسيرات الأسطورية للعالم. فمع التوحيد لم يعد خلق العالم نتاجاً للصراع بين الآلهة الوثنية وبين الأبطال والجبابرة. ولم تعد الطبيعة كائناً حياً تسكنه الأرواح الخيرة أو الشريرة، ولا ظواهرها الكبرى كالشمس والفيضانات والأنهار والأمطار مسكونة بآلهة صغيرة تتحكم فيها على حدة، ويديرها ساحر/ شامان يلهث خلف النذور والقرابين، على نحو يفضى إلى تجزؤ معمار الكون وتفتت قوانين الطبيعة. بل صار ثمة إله مطلق، ومريدي، وقادر، خلق الكون وتسامى عليه، وضع في الطبيعة قوانينها الكلية والمتسقة والضرورية. وهكذا كان التوحيد بمثابة محطة أساسية على طريق العلم الحديث، بتقديمه الأساس الأنطولوجي لاشتغال العقل وانتزاع الفوضى من قلب ظواهر الطبيعية نفسها.
أما الأمر الثاني: فهو أن الميتافيزيقا، التي اعتبرها أوغست كونت حلقة وسطى بين الفكر الديني والفكر الوضعي، لم تقم أبداً، في اعتقادنا، كمرحلة تاريخية مستقلة بذاتها، بل شكلت ضفائر فكرية تداخلت مع الفكر الديني وأيضاً مع الفكر العلمي، أي المرحلتين اللاهوتية والوضعية بتعبير كونت. لقد تداخلت الميتافيزيقا مع الدين، عندما طرحت أسئلته نفسها عن الوجود والخلق والمصير والخلود... إلخ، وقدمت إجابات مشابهة لإجاباته، فتقاسمت معه التحكم في الثقافات الكلاسيكية كاليونانية، خصوصاً في القرون الخمسة الأخيرة قبل الميلاد حيث كانت اليهودية ديناً توحيدياً قائماً بالفعل في الشرق الأدنى. قبل أن تنجح المسيحية في اكتساح الأرض اليونانية والعالم الروماني. أما تداخل الفلسفة اليونانية، وجلها ميتافيزيقا، مع الإسلام فمن الواضح بما لا يحتاج إلى تدليل، حيث استدعى المفكرون الإسلاميون ميتافيزيقا أفلاطون القارة في نظرية المثل باعتباره الحكيم الإلهي. ومفهوم أرسطو عن الأول/ واجب الوجود الذي يحرك العالم من دون أن يتحرك، مع تأويله باعتباره الله. وكذلك نظرية الفيض الأفلوطينية التي جرت إعادة إنتاجها من داخل الحقل المفاهيمي المسيحي ثم الإسلامي كي تفسر مراحل الوجود وعملية الخلق كما كان الأمر لدى الفارابي، على سبيل المثال. أما التداخل بين الميتافيزيقا والفكر الحديث فأمر جلي، إذ لم يكن ديكارت، مؤسس الفلسفة الحديثة، إلا ميتافيزيقياً كبيراً، وكذلك أرباب المثالية الكبار باسكال ومالبرانش وليبنتز وهيغل، وبعضهم من مؤسسي التنوير، في قلب الفكر الحديث. على هذا، يبدو لنا أن التحقيب الأكثر منطقية لتاريخ الوعي الإنساني إنما ينطوي على ثلاث مراحل أساسية: الأسطورية/ البدائية، والدينية/ الكلاسيكية، والوضعية/ الحديثة، فيما تحلق الميتافيزيقا في الفضاء الممتد بين المرحلتين الأخيرتين، بحضور قوي مباشر مع الفكر الديني، وحضور أقل مباشرة وعمقاً مع الفكر العلمي.
[email protected]
رغم فشل الحملات الصليبية على المشرق العربي في تحقيق انتصارات نهائية أو حاسمة، فإنها ألقت في الضمير الأوروبي بذرة خبيثة سوف تزهر تالياً، لتنتج تلك الثمرة المرة المتمثلة في استخدام القوة العسكرية تحت شعار القداسة الدينية، بحيث يصبح القتل والتدمير بمثابة حق وواجب في آن، على نحو تبدى في حروب الأندلس وفي حركة الكشوف الجغرافية واستعمار الأمريكتين، تبشيراً للوثنيين هناك، بل إن الشعور نفسه، لكن بعد علمنته، هو الذي حفَّز سياسات الغزو الأوروبي لأنحاء العالم الأربعة في القرنين التاسع عشر والعشرين بذريعة الرسالة الحضارية للرجل الأبيض في تمدين البشرية.
ولدت المركزية الأوروبية، كنزعة ثقافية نرجسية، تبرر نفسها بدوافع عرقية ودينية وأخلاقية، تتحدث عن فكر أوروبي يتسم بالوحدة والتماسك والاطراد، وكذلك بالتفرد والكونية، يصلح لكل زمان ومكان كما يقول السلفيون المسلمون، ويدّعى التجذر في تجربة أصلية هي الفلسفة اليونانية، كما تتجذر الاستثنائية الإسلامية في التجربة النبوية بالمدينة المنورة، ومن ثم تصبح الحضارية الأوروبية/ الغربية مطلقة النقاء، خالية تماماً من الشوائب، كالهوية الإسلامية في إدراكها السلفي المنغلق، وعن آخر حضاري متخلف عقلياً وروحياً بقدر اختلافه عن الذات الأوروبية، مثلما يتصور السلفيون أن الغرب منحل أخلاقياً بالضرورة قياساً إلى الذات الإسلامية.
وإذا كانت النرجسية الأوروبية، الحديثة والفعالة، قد تفردت بالهيمنة الإمبريالية، فإن السلفية الإسلامية، لهشاشة وضعها التاريخي، اكتفت بإعلان الجهاد ضد الغرب خطابياً، وممارسة الإرهاب ضد بني جلدتها فعلياً.
بلغت المركزية الأوروبية أوجها، وفرضت نفسها على العالم مطلع القرن العشرين، فحتى عندما كان مفكرون لا غربيون يجادلون ضدها، لم يكن باستطاعتهم نفي تفوق أوروبا، بل كانوا يطمحون فقط إلى إعادة تفسيره، بقدرتها على اغتنام التراكم الثقافي الإنساني العابر للحضارات وليس إلى دوافع جوهرية تخصها كالانتماء الآري، والاعتقاد اليهو ـ مسيحي، والإرث الفلسفي اليوناني، كانت المركزية الأوروبية هي مسرح الوعي الذي جرت عليها وقائع الحربين الكبريين، الأولى والثانية، اللتين ستحملان وصف العالمية، فقط لأن أوروبا منحت نفسها حق الحديث باسم الإنسانية كلها.
انتهت الحرب الثانية بفقدان أوروبا لمركزيتها، لصالح الولايات المتحدة التي تمكنت من ركوب موجة التاريخ بقيادة الثورة الصناعية الثانية، بكل تقنياتها الجديدة، فدخلنا إلى العصر الأمريكي وإن ظللنا داخل إطار المركزية الغربية، وعلى هذا المنوال نسجت وقائع الحرب الباردة، التي جسدت صراعاً داخل الغرب نفسه، بين شرقه «الشيوعي»، وغربه «الرأسمالي» الذي قادته أمريكا، وبنهايتها، تبدت الولايات المتحدة قائداً لجيش فقد عدوه الواضح، وهنا يكمن سر نظرية صدام الحضارات، وهو رغبة أمريكا في استمرار تكتل أوروبا خلفها، عبر زيادة مخاوفها من مجهول تاريخي يتمثل في الصراع الحضاري القادم.
ففي القسم الثالث من كتابه الأثير يقول صامويل هنتنغتون: إن نظاماً عالمياً قائماً على الحضارة يخرج إلى حيز الوجود حيث المجتمعات التي تشترك في علاقات قربى ثقافية تتعاون معاً، والدول تتجمع حول دولة المركز في حضارتها!، وبعد جدل مدوٍّ ونقد شديد للنظرية من داخل الغرب نفسه، ومن خارجه، خفت بريقها، لكنها عادت للرواج أعقاب إحداث 11 سبتمبر، والحرب على أفغانستان والعراق.
في سياق الجدل حول الحرب تبنت الولايات المتحدة خطاباً جديداً، يبرر مركزيتها، تحلل من كل المقولات الليبرالية التي غذت خطابها الكوكبي، وألهمت دورها العالمي في التسعينيات كمبدأ حق التدخل الإنساني، وحرية التجارة، والعولمة، واستند في المقابل إلى مقولات جديدة تغذي النرجسية الثقافية الأمريكية، كي تتمكن من وراثة النرجسية الأوربية. وهنا حل الحديث المشبع بالإجلال عن الآباء المؤسسين مشيدي الدولة الأمريكية على أسس الحرية والعدل والمساواة كمبادئ سرمدية لا تحيد عنها المواقف العملية، بديلاً عن الفلسفة اليونانية التي اعتبرت لحظة تشكيل ونقطة انطلاق العقلانية الأوروبية في التاريخ، كما جرى التعمية بعلة الاستثناء على كل وقائع التدخل العسكري التي تناقضت مع ادعاءات أمريكا المثالية والليبرالية طيلة العقود الثماني الماضية، مثلما ادعت المركزية الأوروبية بنقاء العقل الغربي وطهارة روحه طيلة الخمس وعشرين قرناً المنصرمة، ومثلما صار النموذج الأوروبي هو المثال المحتذى وإلا جرى اتهام الآخرين بالنقص والدونية، أعلنت المركزية الأمريكية قاعدة أن من ليس معنا فهو ضدنا، واعتبرتها أساساً لخيرية عالمية جديدة، ومثلما رفعت أوروبا شعار مسؤولية الرجل الأبيض عن تحضير العالم بأجناسه المختلفة، تبريراً لسياساتها الاستعمارية، فإن أمريكا غلَّفت سياساتها الإمبريالية بخليط من المصطلحات الميتافيزيقية كالعدالة المطلقة، والحرية اللانهائية، والحرب العادلة، وجعلت منها خيوط تقسيم مانوي للعالم، يصطف الأخيار على يمينه والأشرار على يساره، واعتبارها بالطبع قائداً وحيداً لمعسكر الأخيار ضد الأشرار،
تكاد تتوازى مسيرة التقدم البشري مع صيرورة نزع السحر عن العالم ونفي العنصر الغيبي في تفسير الطبيعة والتاريخ. لقد جرى التخلص أولاً من سحر الخرافة الذي شغل التراث الإنساني بالحديث عن قوى خفية قادرة على التأثير في أقدار البشر، ما أفضى إلى تزييف الحقيقة بالتهويم على عقول الناس، وطمس الحرية بالمخاتلة على إرادتهم حتى فقدوا القدرة على تدبر أكثر الأمور عادية، وخضعوا لأشكال عدة من الوصاية. كان أول الأوصياء هو الساحر نفسه، الذي ادعى قدرته على تفسير التنبؤ بالحوادث والتحكم في حركة الكواكب والأفلاك، وداعب خيال الناس بطقوس سحرية نُسبت إلى الدجل والشعوذة، ولذا مثَّل اختفاء سحر الخرافة معلماً لحركة تقدم العقل الإنساني.
غير أن صيرورة التقدم لم تتوقف عند ذلك الحد، بل استمرت في نزع أشكال السحر الأخرى، خصوصاً سحر الغيب الكامن في الدين برؤيته الروحية للوجود، ووعوده بالخلاص الأخروي. وأيضاً سحر الميتافيزيقيا الكامن في الفلسفات المثالية بما تنشده من غايات سامية كالحق والعدل والخير والجمال. باختفاء هذين المصدرين للسحر تحت ضغط النزعات العلموية القائلة بالحتمية، والفلسفات المادية خصوصاً الجدلية، ولد شعور جامد وبليد بالحياة، ذلك أن الشعور بالحضور الإلهي في الكون، والذي يبث فينا الإحساس بالرهبة إزاء الغيب، هو نفسه الذي يغذّي شعورنا المعنوي بالبهاء والجمال في العالم من حولنا، فمن الحد الإلهي المطلق للقداسة، تتناسل مستويات أدنى تتوزع على الكائنات وتتناثر في الأشياء، لتمنحها بريقاً وألقاً، فإذا ما اختفت تلك الروحانية، صارت كل الأشياء باردة وذابلة، لا روح فيها ولا معنى لها.
لم تتوار الروحانية دفعة واحدة بل تدريجياً، وعبر تحولات عدة. يتمثل أولها في الثورة التجريبية، حيث أفضى المنهج التجريبي إلى تشكيل صورة عن العالم مسكونة بالشك والقلق، ترى أن الصراع هو أساس العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهو ما فرض نفسه تالياً على العلاقة بين البشر، ما أضعف قدرة الإنسان على التواصل رأسياً/ روحياً مع الإله، وأفقياً/ اجتماعياً مع البشر. أما الثاني، فيتمثل في الثورات الصناعية المتلاحقة. أنتجت الثورة الأولى، نهاية القرن الثامن عشر، الآلة البخارية التي اقتحمت حياة البشر إنتاجاً واستهلاكاً، ودشنت نمط الإنتاج الرأسمالي. وأحالت الثورة الثانية، في النصف الأول للقرن العشرين، نمط الإنتاج الرأسمالي إلى سوق عالمي واسع هيمن على المجتمعات المحلية والأنساق الثقافية الفرعية، صانعاً «مجتمع الاستهلاك» المنبث في هياكل مادية ومدن شاهقة وأسواق مزدحمة صارت تضغط على أجساد البشر وتطحن عظامهم، تدفعهم للدوران في فلك كل ما له قيمة سوقية، والبحث عن الثروة والسلطة، دونما اعتبار بالروابط النفسية كالمشاركة العاطفية والتضامن الوجداني، فبات العالم الحديث مفتقداً لكل ما يروي ظمأ الإنسان للمعنى ويحفزه إلى المشاركة في مجتمع دافئ رحيم. أما التحول الثالث، فأتى في ركاب الثورة التكنولوجية الرقمية (الديجيتال) ليُضيف إلى مجتمع الاستهلاك الواقعي مجتمع الفرجة الافتراضي، الذي يثير شهوة التطلعات ويحفز أوهام الحياة في عوالم خيالية، تتطلب إنفاقاً غير محدود.
في مثل هذا العالم الرقمي، عالم الأتمتة الفائقة، ومجتمع الاستهلاك المجنون، المسكون بالرغبات الحارقة في كل اللذات، صار الإنسان مجرد حلقة في سلسلة مالية، يعلم مصادر دخله ويتصوّر حجم عوائده مسبقاً. فإذا جاءته كاملة، فلن يسعد كثيراً بها، لأنه قام بإنفاقها أو خطط لذلك عبر البطاقات الرقمية الشهيرة، حتى قبل أن يلمس الأوراق المالية، فالعائد هنا مجرد رقم يملأ خانة فارغة. أما إذا أتته ناقصة فسيبدو حانقاً ولو كانت مليونية، لأنه لا يتفاعل مع القيمة الاسمية لتلك العوائد، بل مع حجم التغير فيها، فهذا التغير وحده هو ما يثير شعور إنسان هذا الزمان، حيث هيمنت المعادلات الحسابية على المشاعر التلقائية. ومن ثم يفقد الإنسان إحساسه التلقائي الجميل بمفهوم «الرزق» القديم، ذلك الشعور المبهج الذي يشي بتجدد الحياة.
فضلاً عن ذلك، يتقدم اليوم علما البيوتكنولوجي والذكاء الاصطناعي إلى أفق جديد لم يكن متصوّراً، وتزداد قدرتهما على التحكم التجريبي في الجسد البشري، الأمر الذي ينال من مفهوم الذات الإنسانية، أي من الإنسان ككائن حر متفرد، يسمو على الطبيعة، له سحره الخاص الذي يستعصى على التحليل. يحاول علم البيوتكنولوجي إطالة عمر الإنسان وزيادة قوته أو ذكائه، لكنه يفضي جوهرياً إلى اغتيال جوهره، فأهم سمات الإنسان ليست القوة الجسدية، وإنما السموّ الروحي. إنه ضعيف بدنياً، قصير العمر، لكن عظمته تكمن في إدراكه لحقيقة موته، وفي تعايشه معها، بل واستلهامه منها جل فلسفاته، في محاولته تفسير مغزى وجوده وإسباغ المعنى على غيابه، ففي ذلك الجدل بين الموت والحياة، الحضور والغياب، يكمن سر تسامي الإنسان على سائر المخلوقات، وفي غيابه تضمر جل ملكاته الخلاقة: العقل الخلاق، الضمير الحر، والروح المتمردة، وعندها يصبح كائناً مسطحاً، أبعاده المادية هي كل شيء فيه، أو حيواناً غريزياً جسده الظاهر أهم شيء لديه، ولا معنى خلفه.
[email protected]