يتقدم مبدأ المواطنة على أجندات الاهتمام العام في غير بلد عربي من العراق إلى السودان ومن الجزائر إلى مصر إلى دول أخرى . هناك بواعث شتى لهذا الاهتمام الناشئ والمتسع، فمن جهة تبرز الحاجة للاعتراف بالتعددية الاجتماعية والثقافية وأحياناً اللغوية كما في حالتي الأكراد والأمازيغ، وذلك جنباً إلى جنب مع بقية حقوق وواجبات المواطنة، من أجل حفظ التنوع، وقطع الطريق على أية منازعات مدارها الأصول الوطنية والقومية، الحاجة للاحتكام إلى مبدأ جامع هو مبدأ المواطنة المقترن بنشوء الدول واستوائها كيانات قانونية ودستورية .
هناك كذلك الحاجة إلى درء التفاعلات السلبية للانتماءات الأولى الفرعية، كما في الانتماءات الدينية والطائفية . لقد أطلت هذه الانتماءات برأسها في غمرة الفشل ببلورة مشاريع وطنية وجامعة والإخفاق بدرجات متفاوتة في بناء دولة مدنية عابرة للانشطارات الأولى، ودامجة للمكونات الاجتماعية في كيانات يحكمها القانون وتحتكم للدستور، ولا يتم فيها توسل هيبة الدولة بسلطة متسلطة .
ومن الملاحظ أن الانشطارات ما إن تبدأ حتى تتناسل إلى المزيد منها، وهو ما نشهده في غير بلد ومجتمع عربيين، وإن كان كل بلد ومجتمع يحتفظ بخصوصيته، من دون نجاح في رفع هذه الخصوصية إلى ميزة إيجابية تحترم التنوع والتعدد تحت مظلة قانون عمومي وتؤطر المواطنين في هوية جامعة وعصرية . هنا وهناك تبرز انشطارات اجتماعية: قبلية وعائلية ثم مناطقية ثم بين الريف والحضر والبادية، وخلال ذلك يتم انشطار بين الرجال والنساء .
ومن اللافت أن هذه المستجدات باتت تمتد إلى حواضر وعواصم عربية وتزدهر فيها، فيما شهدت من قبل المناطق الريفية والنائية تلك التشكيلات الاجتماعية التقليدية، مع فارق أن الأمر في الماضي قبل نحو نصف قرن لم يكن يحمل على توترات مقلقة، إذ ما إن تهب رياح المدنية والاتصال بالمدن وتوسع التعليم، حتى كانت تلك التوترات تضمحل . أما في أيامنا هذه فإن الانشطارات وتضخيمها يتم إلباسه لبوساً فخيماً مثل الهويات والخصوصيات الحضارية وحقوق هذه الفئة أو تلك، وحتى المشاركة السياسية في ما هي لا تعدو أن تكون مشاركة جهوية ومناطقية وطائفية، قائمة على المحاصصة، إلى آخره، وقد تم بذلك ليس فقط استخدام مصطلحات حديثة لتسويغ العودة إلى سياسة قديمة، بل كذلك حرف الحقوق الأساسية والمشاركة عن مضمونها وتفريغها من هذا المضمون، وذلك بتقديم الانتماءات الفرعية والأولية على ما عداها .
ما تقدم يثير تساؤلات حول مدى الإخفاق الذي مني به ما كان يسمى بمشروع نهضوي ووحدوي عربي، وكان الظن أن بلوغ ذلك المشروع هو مسألة وقت وأن التراكم الكمي للتحديث والتطوير في ميادين شتى، سيؤدي حُكماً إلى تحولات نوعية . لقد انتهت الآمال الوحدوية ليس بترسخ الكيانات السياسية فحسب، بل كذلك بتراجع الوحدة الوطنية والاجتماعية في الدواخل العربية وهو ما يبرهن عليه واقع الانشطارات المتفاقمة هنا وهناك . وبينما كان الطموح ينعقد حول صيرورة المواطن مواطناً عربياً ينتمي إلى وطن عربي كبير (الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي الذي تنازل عن الحكم عشية الوحدة مع مصر قبل أزيد من نصف قرن أطلق على نفسه لقب المواطن العربي الأول)، فإن الطموح الآن يتمحور حول إرساء قيم ومحددات وحقوق المواطنة في البلد الواحد في المشرق والمغرب .
في عقود خلت ومع التقدم الأولي لمشاريع البناء والتطوير في المشرق العربي، لم تكن هذه القضية لتشكل شاغلاً أو مصدر قلق لأحد . كانت فكرة المواطنة تبدو من باب البدهيات وتحصيل الحاصل، فالانتماءات الفرعية والهويات الأولى هي حق لأصحابها، أما معيار المواطنة والوطنية فهو يتجاوز تلك الأوليات ويدمجها في انتماء للوطن والدولة، وكان ذلك أمراً متيسراً وسلساً . فعيون الجميع ومطامحهم كانت تتجه للصمود أمام التحديات الخارجية، والانخراط في معركة البناء الداخلي للحاق بركب الأمم المتقدمة .
وها نحن نعود إلى مرحلة لعلها أقسى مما كنا عليه منتصف القرن الماضي، قبل أن يزدهر التعليم وتنتشر أجهزة الإعلام في البيوت وتعم وسائل الاتصال والمواصلات، ففي تلك الحقبة لم تكن الانشطارات بهذا الوضوح ولا بهذه الحدة، فكانت المجتمعات تتكاتف لاحتضان التنوع الاجتماعي واحترامه قولاً وعملاً .
المثير للانتباه بعدئذ أن هذه القضية قلما تحظى باهتمام الأحزاب السياسية والبرلمانات المنتخبة وهيئات المجتمع المدني، وذلك كنموذج لسياسة دفن الرؤوس في الرمال، والغفلة عن تحديات متنامية ينطق بها الواقع، وهو ما يحتاج تبيانه لمعالجة مستقلة .