يتردد أن هناك من يعتزم بين المنتجين في القاهرة إنتاج مسلسل تلفزيوني، عن أسرة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لعرضه خلال شهر رمضان المقبل . الأغلب أن الوقت لن يسعف أحداً لإنجاز مثل هذا المسلسل، فهناك نحو مئة يوم فقط تفصلنا عن شهر الصيام، ولن تكون هذه الفترة كافية لإنتاج مثل هذا العمل، الذي يفترض أن يدور حول أكثر المحطات درامية في تاريخ مصر الحديث، كما وصفت الزميلة الشروق المصرية واقعة احتجاز مبارك في المستشفى، وبدء التحقيق معه يوم الثلاثاء الماضي 12 إبريل/ نيسان الجاري، وهي الواقعة التي ادت لإصابة الرئيس المخلوع بأزمة قلبية، إذ تزامنت الواقعة مع حبس نجليه علاء وجمال وهما يشكلان نصف الأسرة . وهناك سبب آخر أكثر أهمية يعيق إنتاج هذا المسلسل في مثل هذا الوقت القياسي، وهو أن الكرة ما زالت تتدحرج وتكبر وما زال هناك وقت قبل حلول الفصل الختامي .
إنها أحداث درامية تتتابع، وتتصاعد على مرأى ومسمع من الجمهور في كل مكان بفضل وسائط الاتصال الحديثة، والأهم أن الجمهور المصري يسهم مساهمة مباشرة في صنع الأحداث وتوجيه مسارها، إذ إن اعتصام ميدان التحرير يوم الجمعة السابق على واقعة الاحتجاز، هو الذي أدى إلى بلوغ هذه الذروة، علماً أن مسار الأحداث ينبىء بتصاعد إلى ذرى جديدة، عبرت عنه صحيفة مصرية أخرى هي اليوم السابع بذلك التساؤل البالغ الإثارة والأشد درامية: ماذا لو تم إصدار حكم بإعدام مبارك؟ وكتبت الصحيفة في عنوانها: إنه مجرد تساؤل، وأردفت ذلك بعلامة تعجب .
تكاد هذه التطورات التي لم تكف عن التسارع المتسق، تُلقي بأجواء شيكسبيرية على هذه العائلة التي لا تتحدر من سلالة باشوية أو من أرومة سياسية، والتي صنعها مبارك لوحده باقترابه من السادات نائباً له،من دون أن يكون على شبه كبير بالرئيس الأسبق، وحلوله رئيساً لم يصادف في مستهل حكمه خصوماً سياسيين له في الداخل، إذ كان الشارع السياسي في تلك الأثناء قبل نحو ثلاثة عقود منقسماً بين الولاء لكل من السادات الذي اغتيل في حادثة المنصة، وعبدالناصر الذي مات شابا في الثانية والخمسين، وقد اختار مبارك أن ينأى بنفسه عن أن يكون امتداداً لأحدهما، فكسب بذلك وإلى حد كبير جمهوراً من الجانبين .
ليست غاية هذا المقال تتبع سيرة حكم مبارك، والوقوف على حقبته، فذلك مما يفيض عن حدود مقال واحد . القصد هو التأشير إلى حالة مصرية تستحق الوقوف عندها، فالرئيس السابق قدّم استقالته في سابقة نادرة في تاريخنا (فيما زين العابدين بن علي ولى الأدبار من دون استقالة)، وبصرف النظر عن حجم الضغوط التي تعرض لها والتي شارك فيها الجيش من باب خفي . حقاً لم يكن أمامه موضوعياً سوى الاستقالة، غير أن الأمر لا يقاس بهذا المعيار الموضوعي وحده، فكثير من الزعماء تتماهى لديهم صورة الوطن والدولة والشعب، مع صورتهم الشخصية عن أنفسهم . ولذلك يبادرون بالتهديد بالويل والثبور وحرق الأخضر واليابس إذا ما تعرضوا لضغوط الإزاحة . مغزى ذلك أن هناك عاملاً ذاتياً، يطغى على العامل الموضوعي في حسبان قادة آخرين ويتم الاحتكام اليه والاعتصام به .تم اللجوء إلى العنف في مصر وأدى لسقوط شهداء وضحايا، ومع احتساب هذا الاجراء مقيتاً ويدخل في عداد جرائم رسمية، فإن نطاق هذا الاجراء يعتبر ضيقاً مقارنة بما يجري في ليبيا وحتى اليمن .
النطاق الضيق نسبياً للعنف الرسمي، قوبل بما هو أفضل منه بكثير، فالرئيس المستقيل والمخلوع عاش في بلده من دون ان يتهدده هو وأسرته خطر جسماني . لم يظهر حزب ثوري ولا جماعة مقاتلة تتربص بالرئيس السابق وتنال منه .هذا يثبت أن العنف السياسي معزول ومحدود في مصر، بينما يجري التهليل له ومنحه أعظم الألقاب التشريفية في دول ومجتمعات أخرى ليست بعيدة جغرافيا عن مصر .
هناك بعدئذ والحديث ما زال عن عائلة مبارك، ظاهرة الاحتكام للقانون كمعيار وفيصل في البت بالمنازعات كبيرها وصغيرها . تنتظر هذه العائلة حكم القانون، بينما ثقافتنا السياسية المشرقية تتيح لكل الأطراف وكل الجهات وخاصة النظام الذي يرث نظاماً سابقاً عليه، فرصة إصدار أحكام سياسية باتة وقاطعة، والطرف الوحيد المستثنى من إصدار الأحكام هو . . القضاء . القانون هو لزوم ما لا يلزم في عقائد راديكالية جرفت مجتمعاتها (أنظر إلى ما أصاب العراق والعراقيين منذ نصف قرن ونيف) . ذلك يدلل من غير مبالغة، على تفاوت حضاري ولمصلحة مجتمع مصر بالطبع . حَريّ بالجميع أن يأخذوا علماً بهذه الوقائع، وأن يستخلصوا الدروس من هذا التفاوت الذي جعل مجتمعات مشرقية في حالة خواء داخلي، حيث الانشغال بالسياسة يؤدي للوقوع في مهالك، بينما تتمتع نخب ضئيلة بامتيازات لا يعلم أحد مداها لفرط اتساعها .