هناك محاذير للتدخل العسكري من الخارج في ليبيا وفي نظام القذافي، كأن يتم السعي إلى التدخل السياسي في هذا البلد بعد هدوء غبار المعارك، وهناك قبل ذلك الخشية من تدخل بري على الأرض . ما يحد من هذه المخاطر أن أحداً وبالذات الولايات المتحدة لا يرغب في إعادة إنتاج أزمة العراق، رغم أن الظروف في بلد عمر المختار أقل تعقيداً مما هي عليه في بلاد الرافدين وبالذات لجهة التركيبة السكانية المتجانسة عرقياً ودينياً في هذا البلد، وعدم وجود بلد قوي وكبير مجاور كما هو حال إيران بالنسبة إلى العراق .
إذا كان التدخل الأجنبي مرفوضاً بالمطلق أياً كان مضمونه واستفاداته كما يرى ذلك البعض، فإن هذا التطور الناشئ يتحمل القذافي مسؤوليته دون سواه، فقد سارع إلى إطلاق النيران على كل من رفع رأسه أو فتح فمه في جماهيريته السعيدة، ثم باتت المدن وكل تجمع سكاني هدفاً حربياً لكتائبه . الرد على هذه البربرية لا يكون بترديد شعارات قومية ضد التدخل الأجنبي بل بالسعي لإجراءات ملموسة تنقذ الليبيين من هذا الخطر الماحق . ثمة نكتة تنسب إلى القذافي قوله إنه تسلم ليبيا وعدد سكانها مليونان، وسوف يعيد تسليمها بالعدد نفسه . للأسف فإن هذه المهزلة سرعان ما تتحول، وقد تحولت إلى مأساة فعلية تبث الفضائيات وقائعها وأهوالها ساعة بساعة بالصوت والصورة . لا يريد أحد لهذا المشهد أن يستمر أو يتكرر في أي بلد عربي . والمعادلة الصحيحة هي: لا للبربرية ولا لتهيئة الظروف نحو تدخلات أجنبية، ولا لتحويل عملية رفع الضغط على المدنيين إلى استثمار سياسي واقتصادي لهذه الدولة الكبرى أو تلك . أما الاكتفاء بإدانة التدخل الأجنبي بمعزل عن الأحوال التي تم بها، فلا يعدو أن يكون عملياً سوى رخصة مفتوحة لهذا السفاح ولأمثاله لإبادة شعبه . أجل إنها رخصة للذبح الذي يراه البعض حلالاً ووطنياً وقومياً وداخلياً، مقارنة بالذبح الأجنبي الخارجي المتآمر الآثم .
لو كان هناك عالم عربي راشد لكانت هناك قوة تدخل عربية، محددة الأهداف والغايات، تتحرك في ظروف معينة وبتفويض دقيق، كي تتدخل لوقف محنة الليبيين الذين أبقاهم عقيدهم طيلة أربعة عقود وراء الشمس، وها هو يدفع بهم منتشياً بالزحف المقدس لكتائبه نحو عتمة الهلاك . تَجَمع الدول العربية (الجامعة) لم يجترح مثل هذه الحلول، ذلك لأنه تجمع أنظمة تبحث عن سلامتها وديمومتها وربما أبديتها إذا قُيض لها ذلك، أما الشعوب فلا مشكلة إذا زاد عديدها أو نقصها .
ما مغزى أن تصدر دعوات لوقف التدخل الأجنبي في هذه الظروف؟ المغزى هو رفع الضغط عن القذافي وتمكينه من الفتك بشعبه وهو ما يطلبه بنفسه ولنفسه، ويتبرع البعض لإلباس هذه الدعوة لبوساً قومياً فيما هي تعكس في هذه المرحلة، وفي هذا الظرف مصلحة بقايا نظام العقيد من دون سواه، العقيد الذي لم يترك ورقة في حياته السياسية إلا استخدمها لتعظيم فرص بقائه في الحكم، واجتذاب مناصرين في الخارج بمزيج من الديماغوجيا السياسية والدنانير الخضراء . وهو الآن يستخدم ورقة الضغط الأجنبي، وهناك الآن من يتبرع بنوايا حسنة بتوفير غطاء إيديولوجي له، كي لا يفسد عليه أحد لعبة الولوغ في دماء البشر، وتبديد الثروات وتدمير البنى التحتية ومظاهر العمران، واستنزاف الجيش في حرب على الشعب، على أمل أن يستأنف قيادته لثورة أبدية مزعومة، لم تُبقِ شيئاً أخضر في بلاده سوى الكتاب الأخضر .
من أساسيات الإنصاف والحكم السليم على الأمور، في عالم السياسة كما في ميادين الحياة برمتها، أن يضع المرء نفسه في موضع غيره، خاصةً إذا كان هذا الغير ضعيفاً ومستضعفاً كما هو حال عامة الليبيين، وذلك قبل أن يصدر حكمه . هل نأخذ عليهم ضعف الشعور القومي وهم يستنجدون بأشقائهم وبالعالم لإنقاذهم، ثم وهم يستبشرون بإضعاف آلة حرب العقيد نتيجة تدخل أجازته الأمم المتحدة؟ هل ندينهم على ذلك، هل نتهم الشعب بالتآمر على الوطن في هذه الحالة؟ وهل ينعقد لواء الوطنية والقومية فوق هامة العقيد وحاشيته لأنه يرفض التدخل الأجنبي، بصرف النظر عما اقترفه وتقترفه أيديهم؟
الواضح أن الليبيين استوعبوا الدرس العراقي، وليس هناك بين قوى المعارضة من يطالب بدخول قوات أجنبية إلى بلاده، إذ إن التوجه للأمم المتحدة يتركز على الدعوة إلى حماية المدنيين، وشل آلة حرب العقيد ونزع الشرعية عنه .
من لم يستوعب درس العراق هو العقيد الذي يزج بلده وشعبه في أتون حرب عمياء تهلك الأخضر واليابس والنسل والضرع، وذلك أن صور له خياله الخصيب أن هذه الحرب هي بمنزلة زحف مقدس، متجاهلاً أن حرباً من هذا النمط تثير أقصى اهتمام وتستدرج تدخلات وقبل أن تتدخل دول أجنبية، فإنه لم تبق منظمة عربية وإسلامية إنسانية واجتماعية وسياسية، إلا وأدانت حرب العقيد على شعبه وحذرت من مخاطرها الجمة . فإذا كانت هناك غيرة قومية حقاً فلتتم دعوة العقيد لاحترام إرادة شعبه ووقف حربه الرخيصة بما يوفر أفضل الفرص والأجواء للحؤول دون أي تدخل أجنبي .