لولا الضجة الإعلامية المثارة، حول مؤتمر عام لحركة فتح، فإن هذا الحدث الذي لم يحدث لا يستوقف كثيرين لأسباب عدة في مقدمها أن الأنظار والأذهان تتجه إلى ما اعترى القضية الفلسطينية من تآكل على الأجندات السياسية الإقليمية والدولية، وما يصيب الأرض المحتلة من مصادرة وتوسع استيطاني، وما يتعرض له الشعب الرازح تحت الاحتلال من تنكيل لا ينقطع، علاوة على أن الانشطار الواقعي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو انشطار أرسته سلطات الاحتلال بجملة من الإجراءات والتدابير، وأكمله أبناء القضية في تنازعهم على سلطة لا سلطة لها .
يسترعي الانتباه أن اللغط الدائر حول مؤتمر عام سادس، داخل صفوف الحركة التي أطلقت الكفاح الوطني قبل نحو 44 عاماً، هذا اللغط يكاد يبدو مقطوع الصلة العضوية بالتحديات الجارية والداهمة على صعيد القضية الوطنية، ويكاد ينغلق حول الصراع بين أجيال الحركة ومستوياتها التنظيمية المختلفة بما يدلل على أزمة سياسية عميقة تنهش هذه الحركة، وذلك بعد الاضطراب الشديد الذي أصاب هويتها، فقد غادرت هويتها كتنظيم يمارس الكفاح المسلح ولم تنجح في الأثناء بالتحول إلى حزب سياسي . وفي الحالين، فقد جاء مقتل الحركة في تخفف قيادتها من منطق الصراع وروحيته مع الاحتلال، وكما هو بادٍ في الأداء الفقير والرتيب للسلطة السياسية لدرجة العجز المديد عن تنظيم مؤتمر عام بعد نحو عقدين على مؤتمر عام كان الخامس في تاريخ الحركة وعقد في تونس . وجاء حاملاً شعار رفض عسكرة الانتفاضة، فإذا به يطفىء كل انتفاضة مهما كان طابعها السلمي والمدني .
هذه الملاحظات لا تنتقص من وطنية أحد، وليست هذه الوطنية هي مدار هذا المقال في الأصل . الاعتراض هو على المنطق السياسي الذي يقوم على أساس أن هناك دولة مستقرة مستقلة، لا تشتبك في صراع مع قوة محتلة، فيما الهدف المعلن هو إقامة تلك الدولة . . ودون إقامتها صراع مرير وتحديات جسيمة، سرعان ما يختزلها صاحب القرار بتلك الوصفة السحرية الموهومة: المزيد من المفاوضات على طريق الحل التفاوضي الذي لا طريق سواه، على ما انفك يردد بمناسبة وغير مناسبة . وكأن التفاوض خيار قائم بذاته بمعزل عما حوله من بيئة سياسية ومن إمكانات ذاتية وموضوعية، ومن بدائل أو حتى ردائف، تمنح للتفاوض معنى وتسبغ عليه قيمة كخيار اشتباكي .
هذه الأزمة أدت عملياً الى الترهل داخل الحركة، بعدما تخلت عن وظيفتها السياسية في إدارة الصراع وقيادتها، ولئن كان من الصحيح تماماً، أن الوسائل والأدوات الصراعية تظل محل اجتهاد ونظر لتخير أفضلها، إلا أن الخلاف الناشب في واقع الأمر لم يكن يدور حول الأدوات والوسائل بل حول خيار الصراع ذاته، وهو خيار مفروض وليس مقترحاً . وقد تم اختيار الحلول غير الصراعية وتلك التي لا تنطوي على أية شبهة صراعية مع العدو، فكان أن دخلت الحركة في حالة من الترنح السياسي، وقد فاقم منه الرفض المستميت للتجديد الداخلي في المستويات القيادية، وهي مسؤولية تتحملها قيادات فتحاوية أخرى ممن تتجاوز أعمارهم الستين عاماً، تتشبث بأمجادها ومواقعها وتكافح لسد الطريق أمام أجيال جديدة خاصة ذلك الجيل، الذي نشأ في معمعان الصراع مع الاحتلال، وواكب الانتفاضتين الأولى والثانية في أواخر ثمانينات القرن الماضي والنصف الأول من عقد التسعينات .
هناك رهان بأن ينجح جيل شاب في الحركة عركه الصراع مع الاحتلال والتجذر في الوطن، في أن يبلور خياراته ويستقطب أكبر قاعدة داخل الحركة وخارجها، ليس لمجرد تفضيل جيل شاب على جيل تجاوز سن التقاعد ويمارس التقاعد الفعلي، بل انحيازاً لخيارات ديمقراطية وسياسية يتجد فيها شباب هذه الحركة تستعيد مركزها التاريخي .
ليس بعيداً عن ذلك، التطلع إلى دور تؤديه المكونات السياسية والاجتماعية، في الضغط من أجل إقالة الحركة من عثراتها ليس انتصاراً لتنظيم بعينه أو لحزب حاكم، بل من أجل إطلاق حياة سياسية دينامية، قائمة على التعددية والمشاركة، على أرضية من التلاقي حول الأهداف الوطنية ورفض سياسة الاسترخاء المنهجي، وإطفاء الحركة المدنية، والبيرقراطية السياسية المقيتة السابقة لأوانها، علماً أن مثل هذه البيروقراطية مذمومة في جميع الأحوال . ومن هنا على المكونات السياسية أن تقول كلمتها في أزمة التنظيم الأكبر، ليس على أرضية التنازع الفصائلي واستعجال الوراثة، بل ضمن منظور وطني رحب يضع إنهاء الاحتلال واستنهاض جميع الطاقات وإنقاذ الشعب من التنكيل به، في قلب برامجه وصدارة اهتماماته .