لا يبدو أن شيئا يزعج رئيس حكومة أقصى اليمين في تل أبيب، باستثناء التوصل الى تفاهم مع واشنطن حول الاستيطان. لا يشكو الرجل من عزلة، مقارنة بحكومة اولمرت السابقة، او مقارنة بصعوده لأول مرة في عام 1996. في تلك السنة عقدت قمة عربية طارئة في القاهرة لمحاصرة عودة اليمين الى الحكم بعد اغتيال اسحق رابين. عزل الرجل ليس مطروحاً عربياً، والرهان هو على الحوار المباشر أو غير المباشر معه، وعلى نخوة الرئيس الأمريكي أوباما. فقد اجتمع وزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة العربية الأربعاء 24 يونيو/حزيران الجاري، وتطلعوا الى خطوات يخطوها أول رئيس أمريكي من أصل إفريقي.. وهم حالياً في الانتظار. ويكشف وزير الخارجية الفلسطيني أن نهاية يوليو/تموز المقبل سوف تشهد مبادرة أمريكية تفصيلية، والوزير في الانتظار كما صرح.
نتنياهو لا ينتظر. يتحدث عن جهد شاق مع الإدارة الديمقراطية في واشنطن، للتوصل الى تفاهم بشأن الاستيطان. هذا التفاهم الذي يتم السعي اليه، يستند الى ان العرب ومعهم الفلسطينيين، قد كفوا عن اعتبار الاستيطان غير شرعي، وبات الحديث يقتصر على التوقف عند ما تم بناؤه من مدن استيطانية. وهو ما يرفضه نتنياهو الذي يرغب مثل غيره من رؤساء سابقين للحكومات، بمنح الفرصة ل النمو الطبيعي داخل المستوطنات المقامة.علماً أن الاحتلال يحتل أراضي مجاورة ومحيطة بالمدن الاستيطانية.. أي أن لديه احتياطيا من الأراضي المصادرة لغايات الاستيطان، وتتم عادة التوسع فيها للوفاء بحاجات النمو الطبيعي: بناء المزيد من الوحدات الإسكانية للأزواج الشابة، مع إحاطتها بأراض مصادرة جديدة، وهكذا دواليك.
لن يكون متعذراً على دهاقنة اللوبي الصهيوني ولا ممثلي حكومة نتنياهو، اجتراح تفاهمات خلاقة مع واشنطن، من قبيل السماح مثلاً باستكمال بناء مشاريع تم البدء بها في عهد حكومة اولمرت السابقة، أو السماح بالبناء في القدس الشرقية باعتبار أن المدينة المقدسة ذات خصوصية لليهود، ولا ينطبق عليها ما ينسحب على بقية الأراضي المتنازع عليها.
لا يتعلق الأمر هنا بتواطؤ مسبق ومحتمل من إدارة أوباما، بل بدينامية يبديها الجانب الاسرائيلي في التلاعب بالحقائق والعقول، وممارسة الضغوط عبر الكونجرس ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث، تقترن بدينامية متزامنة يتم فيها فرض الوقائع على الأرض وضد البشر، فيما ينصرف الجانب العربي في الأثناء إلى.. الانتظار، وإلى اختبار ما إذا كان ساكن البيت الأبيض سيكون عند كلمته أم لا . وذلك خلافاً لأسلوب إسرائيلي يعتبر ممارسة السياسة أشبه بقيادة دراجة هوائية، فكل توقف لانتظار أو لغيره يؤدي إلى السقوط، أما الحركة إلى الأمام وأحياناً بصورة التفافية وحتى عكسية إلى الخلف لأغراض المناورة، فهي وحدها التي تضمن بلوغ الغايات مع المثابرة والمواظبة.
لقد حانت فرصة ذهبية أمام الجانب العربي ومنه الفلسطيني لفتح ملف الاستيطان. تل ابيب تقاتل لإغلاق هذا الملف سريعا لتبقى مطلقة اليدين في نهب الأراضي العربية. فيما تتاح الفرصة لتقديم مطالعات سياسية وقانونية حول هذا الملف، ولإدارة حوار موصول وجاد مع واشنطن حول هذه القضية، فالدعوة لوقف الاستيطان ينبغي تعيين جذرها بكون الاستيطان غير شرعي في الأصل والمبدأ، ويُقام على أرض محتلة، وقد صدرت ضده قرارات لمجلس الأمن، ويراد منه تأبيد الاحتلال، وإقامة الجدار في عمق الضفة الغربية هو إحدى حلقات الاستيطان، وأحد الشواهد على مسعى استراتيجي لإغلاق آفاق التفاوض، حين لا يبقى هناك ما يدور حوله التفاوض.
سوف تشهد الأسابيع المقبلة المزيد من الضغوط على واشنطن، لتفريغ مطالبها بوقف الاستيطان من مضمونها. أما العرب فإنهم لا يضغطون على أصدقائهم، قد يفعل الأصدقاء ذلك معهم، أما هم فمعاذ الله أن ينزلقوا إلى هذا المنزلق المعيب!. وعملياً فإنهم يتركون ل الإسرائيليين أن يفعلوا ذلك رغم الحلف القائم بين واشنطن وتل أبيب، وبعد أيام من موافقة الكونغرس على منحة المليارين ونيف السنوية لتل أبيب.
في رؤية الاسرائيليين أن لا تعود الأمور إلى الوراء أبدا. وأن لا تفترق أية استراتيجية أمريكية عن المصالح الاسرائيلية الدائمة أو الراهنة. أما نحن العرب فنسعى لصداقة خالصة مع الولايات المتحدة .. صداقة للصداقة فحسب، ولا تشوبها حسابات ومصالح خاصة وغامضة تتعلق بالشعوب والأوطان. حتى لو لحقت بنا خسائر متلاحقة ومتعاظمة نتيجة هذا النمط من الصداقة. وما عبر عنه وزراء الخارجية العرب مؤخراً من اعتصامهم بالانتظار، من دون سواه، هو أحد مظاهر هذه الصداقة غير المنتجة.