موجة التغييرات التي يشهدها العالم العربي ليست بغير تأثير في مجرى الصراع مع العدو الصهيوني . لقد ردد المجلس الأعلى العسكري الحاكم في مصر، بأن القاهرة سوف تلتزم بالمعاهدات التي وقعتها، وهو موقف متوقع من مجلس عسكري يباشر مهامه السياسية، وينشد إعادة الحياة الطبيعية في البلاد . ولعل معاهدة كامب ديفيد سوف تظل سارية المفعول إلى أمد منظور على الأقل، غير أن البيئة السياسية التي تحيط بعلاقات القاهرة بتل أبيب شهدت أول تغيير جدي لها منذ 32 عاماً . فلن تكون هناك حرارة في العلاقات تتمثل في الاستقبال الدوري لأركان الحكم في تل أبيب، وفي تعاون علمي وأكاديمي أحياناً، ويشهد انتقال العمالة المصرية إلى تل أبيب مزيداً من التقييد، وقد يؤدي إلى إغلاق هذا الباب، ولن تلعب القاهرة دور الوسيط الذي يناسب مراقباً أجنبياً لا بلداً عربياً كبيراً، والحصار على غزة من الجانب المصري لن يبقى مفروضاً . والراجح أن القاهرة في عهدها الجديد سوف تخوض مواجهة سياسية وقانونية، حول إعادة النظر في بعض التقييدات التي تفرضها المعاهدة، وخاصة بما يتعلق بالوجود العسكري على أرض سيناء، فضلاً عن إعادة النظر في اتفاقية توريد الغاز والذي توقف توريده بالفعل إلى تل أبيب، بانتظار خوض مفاوضات حول أسعاره . وهي مستجدات سوف تضع السلام في إطار قانوني محدود مع وقف تداعياته السياسية، وهو تطور على جانب من الأهمية سوف يعيد مصر إلى مربع المواجهة السياسية مع تل أبيب، ويوقف كل أشكال التمدد الإسرائيلي داخل أراضي الكنانة، وتحت مراقبة شعبية وبرلمانية هذه المرة، وبعيداً عن التذرع بموجبات المعاهدة .
ويفترض المرء أن هذه التطورات المرتقبة سيكون لها تأثيرها في الأردن، الدولة الثانية التي وقعت معاهدة سلام مع تل أبيب، وإذا أخذ المرء في الاعتبار أن المعارضة الأردنية تدعو إلى إلغاء المعاهدة أو تجميدها على الأقل، وأن حملة الاحتجاجات تضع هذه المسألة في مرتبة متقدمة من أولوياتها، خلافاً لما جرى في مصر، فإن لنا أن نتوقع استناداً إلى هذه المعطيات العيانية، بأن السلام العربي الإسرائيلي سوف يشهد انحساراً ملحوظاً، وخاصة مع ملاحظة أن تل أبيب كانت تقيم درجات من التعاون الاقتصادي والسياحي المطرد مع تونس، وهو تعاون سوف يؤول حكماً إلى توقف، سواء لأسباب تتعلق بخوف الزائرين الصهاينة على أمنهم، أو لرفض القوى الجديدة في الحكم استغلال مناسبات دينية لفرض التطبيع على التونسيين، وهو أمر مرشح للحدوث في المغرب التي تحسن قراءة هذه التطورات والتقاط دلالاتها، هذا إضافة إلى قيام موريتانيا منذ أكثر من عام بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب . أما بعض الصلات المريبة بين طرابلس الغرب ومؤسسات صهيونية فإنها في سبيلها إلى الانكشاف والتوقف، على وهج الانتفاضة الليبية المتصاعدة .
يضاف إلى ذلك نجاح السلطات اللبنانية في الكشف عن المزيد من شبكات التجسس العاملة لمصلحة العدو الإسرائيلي، بما يضع حداً لهذا الاختراق، وكذلك نجاح السلطات المصرية على هذا الصعيد، فقد كشف الحكم الجديد في القاهرة عن أول شبكة من هذا النوع استهدفت مصر وسوريا خلال مارس/ آذار الجاري .
على هذا النحو فإن التمدد الإسرائيلي في الجسم العربي يتعرض لضربات صادمة ومتتالية، وكل الدلائل تؤشر إلى أن البيئة السياسية الجديدة التي ترسيها موجة التغييرات، لن تسمح بأي تمدد أو أي تطبيع في أي اتجاه في المستقبل المنظور، وهو ما يوفر ظروفاً أفضل لاستئناف الصراع مع الاحتلال الصهيوني على المستوى السياسي، وبما يشكل رداً موضوعياً على جنوح المجتمع الصهيوني نحو المزيد من العنصرية والأطماع التوسعية، فالمجتمعات العربية بدورها تتجه نحو مزيد من التماسك والمناعة في وجه أي اختراق إسرائيلي، وللوقوف بمواجهة المخططات الصهيونية لابتلاع الضفة الغربية والجولان، تحت ستار المضي في عملية سياسية مزعومة تشمل العالم العربي، وفي ظل استمرار الحوار والاتصالات مع معسكر الاعتدال العربي .
وعليه فإن توجس البعض من عدم رفع مطالب شعبية تتعلق بالموقف من الدولة الصهيونية يبدو في غير محله، فما حدث ويحدث أن الاستبداد العربي الرسمي المقترن بالفساد الأخطبوطي الهائل، قد فرض نفسه كأولوية ضاغطة على الشارع العربي، من دون أن يعني ذلك التخلي عن موجبات الصراع مع العدو، فالبوصلة تتجه نحو تحرير المجتمعات من الداخل، كما تتوفر على شروط أفضل لاستئناف المواجهة مع العدو .
إزاء ذلك يختلط لدى تل أبيب شعور ب الارتياح، لأن موجة التغييرات في العالم العربي لم ترفع استئناف الصراع كأولوية لتلك الموجة، مع الإدراك أن موازين القوى السياسية لا العسكرية بالضرورة، في سبيلها إلى التغير نتيجة تلك التغيرات . ولئن بدا أنه ليس هناك من خطر راهن داهم تحمله المستجدات، إلا أن ثمة أمراً غير قابل للنكران، وهو أن البيئة السياسية العربية قد تغيرت، وأن الحسابات التي كانت قائمة على دوام الحال في العالم العربي قد ذهبت وولت . واقع الأمر أن التغيير المصري هو في أساس ما هو مرشح لأن يكون تحولاً استراتيجياً في منطقتنا، وهو ما تدركه تل أبيب التي سارعت لطلب معونة أمريكية تبلغ عشرين ملياراً . . فقط .