حالة سياسية لا أزمة انتخابية فحسب

03:50 صباحا
قراءة 3 دقائق

الأزمة السياسية التي تشهدها إيران منذ نحو أسبوعين، قابلة للحل كما هي عُرضة للتصعيد، والأمر منوط بخيارات أولي الأمر والفاعلين السياسيين في هذا البلد. لم تبدأ الأزمة مع رفض نتائج الانتخابات الرئاسية، التي انتهت بإعلان فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد، فهي سابقة على إعلان هذه النتائج، حين رفع المرشح مير موسوي رسالة الى المرشد الأعلى حذر فيها من تدخلات للسلطات في مجرى العملية الانتخابية، شملت حرمان ممثلي هذا المرشح من التواجد في بعض مراكز الاقتراع، وقيام وزراء ومسؤولين بحملات دعائية للمرشح المنافس. وكان الرد على هذه الرسالة من طرف أوساط نافذة بالتحذير من ثورة مخملية أو برتقالية يجري التحضير لها، لكن دون الاشارة إلى الظروف التي قد تهيئ لمثل هذه الثورة، ووجوب إزالة هذه الظروف.

يجدر التذكير بأن الثورة الايرانية التي اندلعت قبل ثلاثة عقود كانت هي نفسها من قبيل الثورات البرتقالية، والمقصود بها التحركات المدنية السلمية الواسعة، وعدم لجوء الجيش او مجموعات مسلحة لنشاطات عسكرية لبلوغ التغيير، والعنف الذي مورس لم يتم في سياق القيام بهذه الثورة، بل بعد نجاحها وانهيار النظام الامبراطوري السابق.

شهدت هذه الانتخابات انفعالات طاغية واستقطاباً حاداً. تسرع المرشح موسوي وأنصاره لإعلان ما اعتبروه فوزاً بعد الساعات الأولى لبدء الاقتراع. وسارعت السلطات من جهتها لإعلان نتائج الانتخابات بصورة متسارعة لا متدرجة، وشاملة على مستوى الدولة وليس تباعاً على مستوى الأقاليم ومراكز الاقتراع. الانفعالات طالت مؤسسات عليا، فقد بدا مجلس صيانة الدستور مؤيداً للمرشح نجاد فيما ظهر مجلس تشخيص مصلحة النظام مؤيدا لإفشال نجاد بأكثر من تأييده لموسوي، ما دعا الرئيس المرشح للحملة على هاشمي رفسنجاني واتهامه بالكذب.

في هذه الأجواء المتوترة اندفعت حركات احتجاجية واسعة لم تشهد الجمهورية الاسلامية مثيلاً لها ولم تخل من مظاهر العنف والتخريب، وجرى التصدي لهذه التحركات بالقوة، وتم توقيف عدد من رموز الاصلاحيين، ومنع تواجد ممثلي الصحافة غير الإيرانيين.

من الواضح أن تركيز السلطة في أيدي فريق واحد، سوف يكرس الأزمة ويعمق اهتزاز الثقة، وليس حظر المسيرات سوى وجه من وجوه الأزمة، فالبلاد لا تعيش حالة حرب أو حالة طوارىء وطنية، حتى يُصار الى حظر المسيرات وتهديد من يشارك بها بحكم الإعدام وليس أقل من ذلك.

كما أن ذهاب المعارضة بعيداً في السلبية، وفي عمليات تخريب لممتلكات عامة وخاصة، قد يؤدي الى تهميشها عملياً مع انفضاض فئات واسعة عنها، خشية دوام الاضطرابات وتهديد الاستقرار.

من الملاحظ في هذا الصدد أن ثمة مواقف عديدة عربية غير رسمية حتى الآن، جنحت للوقوف مع تيار معين ضد فريق آخر في الأزمة الايرانية. هذه المواقف تسوغ استمرار ظهور مواقف مماثلة في الجانب الايراني إزاء قضايا وشؤون عربية داخلية. والأصح من ذلك هو الانتصار للاستقرار والازدهار في ايران، بأن ينجح الفرقاء هناك في اجتراح حلول تحترم التعددية والتنوع، والكبرياء الوطنية، وتسهم في تطوير النظام السياسي لا الإمعان في تضييق تمثيله السياسي لفئات الشعب. وبما أن مقولة: السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية ما زالت تمتلك قدراً كبيراً من الوجاهة، فإن حلولاً سياسية راشدة وخلاقة في الداخل الإيراني، من شأنها أن تسمح بظهور سياسة إيرانية خارجية قائمة على الصداقة والتعاون مع العالم العربي وتتجاوز سلبيات المرحلة السابقة.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"