حج من أجل سلام غائب . . من يُغيّبه؟

04:25 صباحا
قراءة 3 دقائق

زيارة البابا بنديكيت الى الأردن والأرض الفلسطينية المقدسة والدولة العبرية، ترتدي لا شك أهمية خاصة، تتعلق أولاً بالزائر الذي يتبعه نحو مليار ومائتي مليون كاثوليكي في العالم، الرجل هو رجل الدين المسيحي الأبرز والأول، إذ يدين له بالاحترام عشرات الملايين من أبناء الطوائف المسيحية الأخرى .

زيارة راعي الفاتيكان هي دينية في الأساس، فهو يقصد المنابع الأولى للمسيحية من المغطس (نهر الأردن) حيث عمادة السيد المسيح، ثم كنيسة المهد في بيت لحم التي يدل اسمها عليها، ثم الى كنيسة القيامة في القدس فكنيسة البشارة في الناصرة، ويعتبر القيام بهذه الزيارة تقليداً وحجيجاً دأب عليه رعاة الفاتيكان .

وبينما يتطلع المسؤولون الأردنيون، الى أن تشكل المحطة الأولى للزيارة البابوية في بلدهم فرصة لتنشيط السياحة الى هذا البلد المحدود الموارد، حيث تأثرت السياحة إليه كما بلدان أخرى بالأزمة المالية العالمية، فضلاً عن بث دعم روحي لرسالة السلام، فقد ظهرت دعوات يتحفظ أصحابها على الزيارة من منطلق ما بدا إساءة للإسلام من طرف قداسة البابا الذي سبق له ان استشهد بأقوال لرجل دين بيزنطي اعتبر ان الاسلام يعتمد على السيف في نشر دعوته . ولوحظ ان شخصيات مسيحية منها النائب السابق عودة قواس انضمت الى قائمة المتحفظين، حيث لم يقتصر التحفظ على اعتبارات دينية بل كذلك على جوانب سياسية تتعلق بزيارة الدولة العبرية، القائمة على الاحتلال وبعد أشهر من الحرب في غزة التي سقط فيها نحو 1400 فلسطيني جلهم من المدنيين، على أن الاعتراضات التي صيغت بلغة حذرة احتراماً للنسيج الاجتماعي، لم تؤثر على برنامج الزيارة الذي اتسم بطابع ديني، وشمل زيارة لأحد المساجد في العاصمة الأردنية والالتقاء برجال دين مسلمين .

رجال دين مسيحيون منهم بطريرك اللاتين فؤاد الطوال ومقره في القدس عبر عن حساسية الزيارة بالقول إن كل يوم، كل زيارة في البرنامج، كل حركة، كل لقاء، بل كل نظرة قابلة للتأويل السياسي . وذلك صحيح نظراً لمكانة الزائر،ولحساسية الوضع في محطات زيارته، والصحيح أيضاً انه يتعين توقع ثمنٍ ما، والاستعداد لدفعه من أجل التعبير عن مواقف نزيهة .

وكان البابا بنديكيت قد رفع الحرم الكنسي عن رجل دين شكك في حجم المحرقة وهو ريتشارد ويليامسون، ولم يعبأ البابا بالاعتراضات الاسرائيلية على هذا الموقف .

قياساً على ذلك فإن محنة الأراضي المقدسة وأبنائها من مسيحيين ومسلمين، تستحق التفاتة قوية من الحبر الاعظم في رحلة الحج من أجل السلام . لقد أدى التضييق على المسيحيين في القدس وبيت لحم الى هجرة الآلاف منهم، ولم تجد كنائس في الغرب ما تسعف به هؤلاء في محنتهم، سوى تمكينهم من المغادرة، بدل تثبيت بقائهم في أرض الأجداد .

يزور البابا القدس والمدينة المحتلة تتعرض للمزيد من التهويد القسري، والإزالة التدريجية لطابعها الإسلامي المسيحي، تحت ضغط الاستيطان الذي يتم بالسطوة المسلحة . يستحق السلام الصلاة من أجله، ويستحق فوق ذلك إجلاء معناه فلا يبقى السلام مجرد نداء روحي، بل يكتسب مضموناً، يتم فيه الانتصار لحق البشر في الحرية والاستقلال في وطنهم دون تسويف ومماطلة وشراء المزيد من الوقت .

الرأي العام في الأراضي الفلسطينية بما في ذلك داخل الخط الأخضر، يتطلع بدوره أن تشكل الزيارة مناسبة للضغط المعنوي على دولة الاحتلال، لوقف سياساتها التمييزية ضد المسيحيين والأماكن الدينية المسيحية .

ومن غرائب هذا الزمان وتدليساته الكبرى، أن الغرب المسيحي في الغالب الأعم، يمحض تأييده للدولة التي تضطهد مسيحيي الأراضي المقدسة جنباً إلى جنب مع التنكيل بالمسلمين وبكل ما هو غير يهودي . الارشمنديت الأب عطا الله حنا كان صريحاً في دعوته للبابا بالتضامن مع الشعب الفلسطيني وإدانة تهويد القدس . وكان رجل الدين المقدسي حنا، تعرض للاعتقال والتنكيل غير مرة، على أيدي سلطات الاحتلال وسبق أن ابعدت هذه السلطات المطران إيليا كبوجي ومنعته من العودة الى وطنه .

مع ذلك واستناداً للطبيعة المتحفظة للزائر الكبير(82 عاماً) ومركزه الديني الرفيع، فإنه من المستبعد أن تنفتح الزيارة على معانٍ تتجاوز الطابع الديني المحض، رغم الصعوبة الكبرى في فصل الوضع الديني للمؤمنين وللأماكن المسيحية، عن الوضع العام في الأراضي المقدسة، الذي يتسم باختلالات بنيوية خطيرة، يسع الزائر الوقوف عليها وملاحظتها بالعين المجردة، دونما حاجة إلى التبصر في الأمور .

رحلة الحج من أجل السلام، تدلل على أنه غائب عن أرض السلام . ليت الزائر الكبير يُسمي اولئك الذين يغيبونه بدل الإمعان في تجهيله واعتبارهم مجهولين .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"