ضحايا الكراهية لا حصر لهم

05:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

سيدة عربية شابة تتعرض للقتل في قاعة محكمة طعناً بالسكاكين أمام أنظار هيئة المحكمة ورجال الأمن، وبحضور زوجها وطفلها. الحدث وقع في ألمانيا في مطلع يوليو/ تموز الجاري. القاتل كان على خلاف مع المغدورة. ودار هذا الخلاف حول حق أطفالهما في استخدام أرجوحة في حديقة عامة، فنشب تلاسن بين الطرفين انتهى إلى مثولهما أمام محكمة. القاتل لم ينتظر حكم القضاء فقام من جانبه بإصدار حكم نهائي، وتولى تنفيذه عن سابق تصور وتصميم، بدليل تزوده بأداة القتل مسبقاً قبل دخوله قاعة المحكمة. وليس معلوماً كيف تسرب هذا السلاح الأبيض من تحت أنظار المولجين بالحراسة وتفتيش الداخلين.

الأسوأ من ذلك أن أحد حراس الأمن قام بإطلاق النار صوب زوج الضحية ولم يصبه، لاحتسابه أن الرجل داكن البشرة هو من اقترف الجريمة، وتلك قضية جنائية أخرى. جرائم كهذه وقعت من قبل في بلدان شتى، منها بلادنا العربية. على أنه لم يسجل في ديارنا على علم الكاتب وقوع مثل هذه الجريمة لسبب تافه بحق أجنبي، وعلى قاعدة العداء للأجانب.

أثارت الجريمة صدمة عنيفة في المجتمع المصري: أن تُقتل سيدة مصرية في بلاد الاغتراب المتحضرة بدم بارد ولسبب تافه، فذلك ما لا يطيقه عقل ولا يقبله إحساس. جرى وصف الضحية مروى الشربيني بأنها شهيدة الحجاب. وانطلقت هتافات في جنازتها في الإسكندرية ضد ألمانيا موطن وقوع الجريمة الشنيعة. هناك في بلاد الفوهرر تم استهوال الجريمة، وجرى الحديث في وقت مبكر على توجه قضائي نحو توقيع أقصى عقوبة بحق المجرم اليكس دبليو وهي حكم المؤبد. المجرم شاب في الثامنة والعشرين من العمر، وهو من أصل روسي وقدم إلى ألمانيا منذ ست سنوات، غير أن حكومة انجيلا ميركل تأخرت في إبداء الأسف العلني لوقوع الجريمة على أرض ألمانية، مما أثار ردود فعل مستهجنة لدى صحف ألمانية ولدى قوى المعارضة في هذا البلد.

لا يأتي المرء بجديد، لدى الإشارة إلى أن هذه الجريمة الدنيئة تسمم مناخ الحوار بين الحضارات والثقافات، وتعيد الأجواء في ألمانيا ومصر وبلدان أخرى، إلى ما كانت عليه عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، مع انقلاب الأدوار، فالمسلمون هم من يحق لهم التساؤل: لماذا يكرهوننا وإلى هذا الحد؟

ولئن كان من الخطأ التعميم، فإن رد الفعل الألماني الرسمي البطيء والمتأخر، والذي عكس ضعفاً في الحساسية تجاه هذه الجريمة، أثار تساؤلات جدية، وكان يكفي تصور وقوع الجريمة بشكل معكوس، لتصور رد الفعل المتوقع حول جريمة يرتكبها من تتم المسارعة لتصنيفهم إرهابيين مسلمين. وكان يجب أن تثور ضجة في الصحافة الألمانية كي ينبري مسؤولون ألمان، منهم المستشارة ميركل، لوصف ما حدث بأنه جريمة مروعة.

يميل المرء هنا لاعتبار مروة الشربيني شهيدة الكدح في بلاد الاغتراب، وشهيدة ممارسة حقها في اختيار أزيائها الشخصية التي تتناسب مع عقيدتها، وشهيدة الهوس المرضي بكراهية الأجانب والمختلفين، التي سرت كالوباء في أوصال عالمنا خلال السنوت الثماني الأخيرة. وهي كذلك ضحية الإرهاب بانتحال واحتكار صفة الإسلام، ثم ضحية الحملة العمياء على الإرهاب التي تحولت بدورها إلى شكل من أشكال الإرهاب الرسمي والممنهج المتعدد المظاهر والأشكال.

تكريماً للشهيدة ولعائلتها المنكوبة: الزوج والطفل، وقد عاينا الجريمة، وكاد الأول أن يذهب ضحية لجريمة ثانية مقصودة أو غير مقصودة، فإن دواعي الجريمة القذرة يتعين الرد عليها، بإحقاق العدالة أولاً، ثم بتفادي الانسياق وراء تعميمات خطيرة بتحميل أبرياء وزر جريمة القاتل، أو تقليد القاتل بالاندفاع لكراهية عشوائية ضد الأجانب وغير المسلمين. لو حدث ذلك، لا قدّر الله، فإنه يُزكي تخرصات القاتل ومن لف لفّه، بأن المسلمين يُكنون ويُبدون عداء دائماً ومطلقاً لسواهم.

هناك ملايين العرب والمسلمين الذي يقيمون في ألمانيا، ونسبة كبيرة منهم تحمل الجنسية الألمانية، ومن حق هؤلاء أن يشعروا بالأمن والعدالة، كما من حق ألمانيا أن تلقى الامتنان لفتح أبوابها أمام هؤلاء وغيرهم، وحوادث مروعة كهذه تملي صيانة حقوق الإنسان في كل مكان، بما في ذلك في بلادنا العربية، فالبشرية جميعها تخسر حين تسود الغرائز، وحين يتم إنكار واقع التعددية، وحين يتم اللجوء إلى القتل والقمع للتعبير عن وجهات نظر أو فرض آراء معينة على الآخرين.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"