أكثر ما تتميز به العروبة كمقاربة حضارية، التقاليد الأصيلة التي تنم عن شهامة تعطي القيم المعنوية أولوية على ما عداها من اعتبارات، ذلك أن ما يميز العربي عن غيره أنه يحمل رسالة . والرسالةُ هذه لا ترتكز على الطموح لتحصيل المزيد من الثروةِ والجاه، أو تعزيز الهيمنة والنفوذ، بل على العكس، غالباً ما كانت الطموحات العربية، الصادرة عن أفراد أو عن قيادات، أو جماعات، تحمل عناوين معنوية، وترنو إلى تحقيق أهداف فيها خير للبشرية ومصلحة مشتركة للجماعة .
والشهامة العربية سمة راقية، تستند إلى مفاهيم الرحمة والامانة والصدق والتقوى، وتحترم رفعة الأخلاق، وتعتمد النبالة في المُداخلة مع الآخرين، لاسيما إذا كان هؤلاء من المِللِ المختلفة الأخرى . وقد كانت للشهامة العربية بصمات بيضاء في تاريخ الإنسانية، وحفِلت الحياة البشرية بمآثِر تتغنى بما يعتمده العرب في ممارساتهم لأعمالهم المختلفة، في السياسة والتجارة والطب والصناعة والزراعة، وفي تقاليد حسن الضيافة، ومساعدة المحتاج، وإيواء الملهوف .
والكرم العربي، بما يعنيه من تقديم الطعام والشراب للضيف، أو للمحتاجين والفقراء، يكاد يغطي على المكارم الأخرى، نظراً لما كان لهذا الكرم من أهمية ترمز إلى رفعة المكانة وإلى وسعة الاعتبار عند مقدم المكرمة . وقد حفِل الأدب العربي بالحديث عن الكرم، وعن التضحية كعناوين ترمز إلى رفعةِ الأمة .
أما العِفّة عند المقدِرة، والسلام، فكانا من الركائز الأساسية التي استندت اليها الشهامة العربية، وكرسها الإسلام الراقي المنفتح كعناوين تتكرر مع كل تلاقٍ، وفي مندرجات الحياة اليومية بين أفراد القبائل العربية، وبينهم وبين الشعوب الأخرى على اتساع الكرةِ الأرضية قاطبة . وقد اعتمدت التقاليد العربية في المُناداة الأولية عند التقاء الأفراد، أو الجماعات عبارة "السلام عليكم" لما لها من أهمية في بث روح الاطمئنان بين الناس . وعند التفوه بهذه العبارة يلتزم العربي بأدبيات الاحترام، وعدم فعل أي شيء يمكن أن يفسر تهديداً للشخص الآخر، ولا غدراً به، حتى لو كان هذا الشخص من صنف الأعداء .
وصدق اللسان سمة عربية متجذِرة، تحمل ضغينة لكل أشكال الكذب والرياء، ولكل أنواع الاحتيال والتلاعب . وقول كلمة الحق في وجه سلطانٍ جائر أبرز دلائل الرجولة العربية، والرجل العربي الأصيل، لا يتراجع عن التزاماته التي يتفوهُ بها، مهما كان ثمنها غالياً، ومهما تحمل من جرائها من أخطار .
وحفظ الإخوان تقليد عربي متوارث، وهو يعني بالدرجة الأولى تأمين سلامة باقي أفراد الأمة، أو العشيرة، بما في ذلك توفير سبل الاستقرار الأمني والسلامة الجسدية لهم، وحفظ مصالحهم، وعدم الغدر بهم، أو تسبب الأذى لهم . ذلك واجب عربي ملزم، بصرف النظر عن التباين أو الخلاف الذي يمكن أن يكون حاصلاً، أو مستجداً بين أبناء الأمة، أو بين أفراد العشيرة .
أخطار متعددة تواجه تقاليد الشهامة العربية، وتحفل الصور القادمة إلى مرائينا من ساحات متعددة - آخرها من سوريا والعراق - بمشاهد تحمل مخالفات جمة يرتكبها أفرادٌ عرب - أو مسلمون - تسيء إلى التقاليد العربية، وإلى صورة الإسلام السمحاء، ومنها أعمال غدرٍ، وجرائم شنيعة لا تقرها الإنسانية، وتجويع للأطفال والنساء، وعمليات سلب ونهب، وتهديم لأضرحة رموزٍ دينية وفكرية، واستهداف للتنوع الذي حفظته القيّم العربية على مدى أجيال، وضيق صدر أمام الأفكار الأخرى، وقلة احترام للديانات السماوية، وللجماعات المتنوعة التي ترعرعت في ظل العروبة والإسلام على مدى مئات السنين .
ويتساءل المرء: من أين جاءت هذه الوحشية الدخيلة التي لا تمت إلى العروبةِ بشيء؟ وكيف لها أن تتحدث باسم الإسلام وهو الدين الحنيف الذي نبذ الكراهية، ودعا إلى المساواة وإقامة العدل واحترام التنوع .
لعل البلاء الأشد الذي أصاب العرب، كان في استقدام ثقافة الاستبداد إلى واحة الأمة، ذلك بعد أن لفظت أنفاسها في بلاد المنشأ . والاستبداد جهلٌ، يتناقض مع التقاليد العربية التي تحترم الشورى، وتدعو للجدال بالتي هي أحسن .
إن تعميم ثقافة القتل للتخلص من الآخر لا تمت إلى العروبة بصلة . ويحملها بعض الحكام في سبيل الحفاظ على السلطة، كما يعممها الجاهلون لصناعة أمجاد وهمية، تسيء إلى العروبة والإسلام، ولتحمي مشاريع مشبوهة تتناقض جوهرياً مع الفكرة العربية، وتستقدم مزيداً من التشويه لنقاوة الإسلام وتسامحه وسماحتهِ، وهذه الثقافة تخدم أعداء الأمة، وتقدم براهين تبيض سجل المُستبدين الذين ارتكبوا المعاصي بحق شعوبهم، وأبادوا عشرات الآلاف من الأبرياء .
أين الشهامة العربية مما يجري بين تعاريج السهوب والهضاب العربية في بلاد الرافدين وفي واحات بادية الشام ومدنها .
الشهامة العربية صدق وثقة وعفة وعفو عند المقدرة . أما القتل والتدمير والكذِب والرياء، فهي مقاربات غريبة لا تمت إلى الشهامة العربية بصلة .

د . ناصر زيدان