قمة أخرى إلى الأرشيف

05:37 صباحا
قراءة 3 دقائق

تجمع منظومة عدم الانحياز، التي اجتمع قادتها في شرم الشيخ قبل أيام، بمنظمة المؤتمر الإسلامي أكثر من رابطة. الأولى هي التداخل الشديد في عضوية الهيئتين، فغالبية الأعضاء ينتظمون في المجموعتين معاً. والرابطة الثانية أن الهيئتين هما من مؤسسات الجنوب والعالم الثالث. ولا محل فيهما لأحد من العالم الثاني إلا ما ندر. الرابطة الثالثة هي ضآلة الفاعلية السياسية على المسرح الدولي لدرجة الامحاء، والاحتفاظ بمكانة رمزية وببعض الحضور الإعلامي ليس إلا. أما الرابطة أو وجه الشبه الأخير، فهو أن الدول العربية الأعضاء تمثل الكتلة القومية الأكبر في الهيئتين، قياساً إلى عدد الدول والكيانات السياسية لا إلى المساحة الجغرافية أو عدد السكان.

من المفارقات أنه يتم الاحتفاظ بصيغة عدم الانحياز، رغم زوال الظروف السياسية التي أدت إلى تلك الصيغة في منتصف خمسينات القرن الماضي. لقد زال الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية، وتوقف الانشطار بين عالم رأسمالي وآخر اشتراكي، ومع ذلك جرى التمسك بالصيغة التي انبثقت عن صراع المعسكرين قبل أكثر من نصف قرن.

هناك من يحاجج وبقدر من الوجاهة بأن قدر العالم والبشرية لا يمكن أن يكون رهناً لقطب واحد، أياً كان هذا القطب، وأن من حق الدول الفقيرة أو النامية أن تشق طريقاً مستقلاً لها، وأن تستفيد من التعارضات القائمة في النظام الدولي لتعزيز استقلالها، وأن هذا المسعى أو هذه الهوية، هي جوهر عدم الانحياز. وذلك صحيح من حيث المبدأ، غير أن ما يحدث هو أن دولاً كبيرة في عالمنا، مثل الهند والصين، معنية بتعظيم قدراتها العسكرية والاقتصادية، لا بدعم حركات تحرر وطني هنا وهناك، ولا حتى بالدعم الاقتصادي لدول فقيرة، وذلك كان في ما مضى جوهر عدم الانحياز، ومدار التعارضات القائمة هو على النفوذ العسكري والاستراتيجي والأسواق، وتتخذ التعارضات طابعاً قومياً يزداد وضوحاً ويتعلق بمصالح كل دولة وطموحات كل أمة، لا طابعاً أممياً كما كان عليه الحال من قبل، من دون أن يقلل ذلك من الحاجة إلى بناء علاقات تعاون، تحد من انكشاف الدول الفقيرة أمام الدول الكبرى، وبالذات الدولة العظمى.

أعضاء عدم الانحياز كما مكونات المؤتمر الإسلامي يدركون ذلك، ويعملون بمقتضاه، فالعلاقات الثنائية خاصة مع الدول الكبيرة والكبرى في عالمنا، تتقدم على أي اعتبار آخر، بما في ذلك الاعتبارات القومية. فيما يراهن البعض على انكفاء التمدد العسكري الخارجي للولايات المتحدة أولاً ثم لحلف الناتو كما حال الانسحاب المزمع من العراق نهاية 2011. هذه المراهنة تضعها في الاعتبار دول قليلة في منظومة عدم الانحياز والمؤتمر الإسلامي، أما الغالبية الغالبة من الدول فهي تمني النفس بمساعدات غربية وأمريكية، بعدما أصبح من آيات عدم الانحياز، إقامة علاقات وثقى مع الدولة العظمى.

ذلك ينطبق على العالم العربي الذي يشكل ركناً ركيناً من مكونات الهيئتين. وقد لا يغالي المرء بالاستنتاج أن قصور الأداء العربي على الساحة الدولية، قد طبع - إلى جانب عوامل أخرى بالطبع - الهيئتين الكبيرتين بطابعه. فالعالم العربي دأب على التعويل التام على الولايات المتحدة لحل معضلاته الاقليمية وإطفأ الصراع مع إسرائيل، ومن لم يذهب إلى هذا التعويل فقد راهن على مشروع إيراني، بدلاً من الرهان على استنهاض القوى العربية وبلورة مشروع عربي في النتيجة.

كان يُفترض أن تستثمر الكتلة العربية القمة الخامسة عشرة لعدم الانحياز، والتي عقدت على أرض عربية، لطرح رؤى وسياسات فعالة لقضايا المنطقة وتجنيد مناصرين فعليين لها، وبث رسائل قوية إلى العالم المنحاز. لكن ذلك لم يحدث، ولسبب بسيط هو افتقاد وجود هذه الكتلة، وغياب أي مشروع قومي جماعي، وذلك بعدما اصبحت اللغة العربية أكثر ما يوحد العرب، وربما باتت العامل الوحيد الذي يجمعهم. وفي الختام لم يخرج المؤتمر سوى بترديد بعض المبادئ كالالتزام بميثاق الامم المتحدة ونبذ الارهاب وإقامة نظام عالمي اكثر ديمقراطية والدعوة للتخلي عن الأسلحة النووية، مما دأب معلقون مثلنا على ترديده، فيما يفترض أن لدى أهل الحل والربط ما يقولونه وما يفعلونه، أكثر مما لدى المعلقين وقرائهم. وربما كانت هناك ميزة وحيدة بعد انفضاض هذه القمة تتمثل في قلة وثائقها، إذ تم الاكتفاء بإصدار إعلان شرم الشيخ، ولن ينوء موظفو الأرشفة في حفظه، خصوصاً مع الاستعانة بالأرشفة الالكترونية التي لا تكلف وقتاً أو جهداً أو مالاً.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"