من المفيد النظر إلى مؤتمر حركة فتح، من زاوية سياسية تتعلق بالصراع مع الاحتلال، علماً أن زوايا النظر الأخرى مهمة، كتركيبة القيادة الجديدة للحركة وتزكية الرئيس عباس من دون انتخاب، وإمكانية وقف الانشطار بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
لقد نجح التيار الغالب من الجيل الشاب في الحركة، في إعادة تظهير الصراع باعتباره قانون العلاقة مع القوة المحتلة. ومنذ البدء عمدت تل أبيب لمحاولة التأثير في المؤتمر بمنع خمسة أعضاء من الالتحاق بالمؤتمر في بيت لحم، واعتبرت الاستيطان قضية خلافية كبرى مع واشنطن، وحشدت اليمين الأمريكي الجمهوري بالذات وراء حكومة نتنياهو، والهدف بث رسالة إلى الفلسطينيين عموماً ومن خلفهم العرب لا إلى مؤتمر فتح فحسب، بأن الاستيلاء على أرضهم مشروع صهيوني لا رجعة عنه، حتى لو اعترضت واشنطن جزئياً على هذا المشروع.
الغالبية الغالبة من الساسة الإسرائيليين، أبدوا نقمتهم على قرارات المؤتمر، وبخاصة بما يتعلق بالموقف من القدس واللاجئين، في ما بدا ما يشبه الإجماع على الاستمرار في احتجاز مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية المنتخب (حل ثالثاً في قائمة الفائزين) والمحكوم بالمؤبد. أجواء المؤتمر رغم ما سادها من إرباكات، دللت على أن قواعد الحركة عازمة على استعادة الوهج الكفاحي للحركة الذي انطفأ في السنوات القليلة الماضية، وعلى محاولة فك الارتباط بين السلطة المقيدة بالاتفاقيات والترتيبات الأمنية، وبين التنظيم كحركة تحرر وطني، وقد تحقق قدر من النجاح في ذلك. وهذه هي النتيجة الأهم لهذا المؤتمر، الذي ما كان له، أن يعقد من دون ضغوط التيارات الشابة من أجل ضمان عقده. ذلك أن التيار القديم رغم التعارض بين مكوناته، كان يدفع نحو إرجاء مستمر لعقد المؤتمر السادس بذرائع شتى، ما يهدد بإبقاء الأمور على حالها، في وقت كان يشكو فيه بعض المرجئين من الحال القائم.
نجحت إذن التيارات الشابة التي سبق لها أن خاضت انتفاضتين ضد الاحتلال في كسر الجمود، وفي استعادة بعض الحيوية المفقودة لهذا التنظيم، غير أن المرحلة المقبلة والقريبة، تفرض جملة تحديات على الحركة. وحسن التعامل مع التحديات هو ما سيحدد مدة نجاح هذا المؤتمر.
التحدي الأول هو ابتعاث الحيوية المعطلة والمقيدة في الجسم السياسي والاجتماعي، ووقف احتجاز الحركة الشعبية المدنية، والضغط على السلطة وحكومة فياض في هذا الاتجاه. فلا يكفي ترداد شعارات صحيحة ومواقف صائبة، إذ المهم هو تمكين الرازحين تحت الاحتلال من ابتداع وسائل مناهضتهم الجماعية للقوة الغاشمة، وذلك هو ألف باء المقاومة المشروعة التي تبناها المؤتمر. لقد ساهم غياب وتغيب الحركة الشعبية المدنية في استشراء التغول الاستيطاني، والاستخفاف بالأهداف والحقوق الوطنية، وفي تقزيم السلطة فوق القيود التي تكبلها. وعليه لا بد من مراجعة النهج الذي سلكه الرئيس عباس، في اعتماده الأسلوب الدبلوماسي والبيروقراطي كخيار وحيد للصراع.
لقد تم اختيار عباس رئيساً بالإجماع والتزكية، بما يدل على طابع القيادة الأبوية الذي ما زال يسم أقدم الحركات الفلسطينية. وهو نهج أرساه الرئيس الراحل عرفات. غير أن ما كان يشفع لعرفات نزعته هذه، أنه حافظ على جذوة الصراع متقدة. والتحدي الآن أمام القيادات الشابة الممثلة والمنتخبة في اللجنة المركزية، هو في البرهنة رغم ما حدث، على أن إرادتهم ثابتة في استئناف السجال الصراعي مع الاحتلال، وعلى تحقيق استقلال نسبي أو فك ارتباط نسبي بين السلطة والحركة.
التحدي الثاني هو الصمود في وجه حكومة نتنياهو، بعدم الانسياق إلى أية مفاوضات قبل تجميد نهائي للاستيطان، ووقف الانطباع بأن التفاوض هو سياسة دائمة، والانتقال من ذلك إلى شن هجوم سياسي على حكومة الاحتلال بوصفها حكومة حرب وتوسع، لا محل للسلام على أجندتها الفعلية. والصمود خلال ذلك أمام محاولة التهويل، بأن مؤتمر حركة فتح انتهى إلى إعلان حرب. في واقع الأمر أن استمرار الاحتلال الاستيطاني والعسكري، هو في جوهره حرب مستمرة.
التحدي الثالث، يكمن في مد الجسور مع حركة حماس وبالذات في الضفة الغربية، على قاعدة المشاركة واحترام التعددية، ونبذ أي نهج انقلابي أو تساوق مع خطط الاحتلال الأمنية. وفي القناعة أن الوحدة تستعاد على الأرض أولاً، وعبر العلاقات الصحية بين شتى القوى السياسية. ولا بديل في النهاية عن الحق في التعددية السياسية والفكرية (في الضفة الغربية كما في قطاع غزة) وعن الخيارات الديمقراطية للشعب عبر صناديق الاقتراع، بعيداً عن استسهال فرض السطوة، ومحاولة إعادة هندسة المجتمع بصورة قسرية، ومن حيث أتت هذه المحاولات. ثم تصنيف الناس ومنحهم صفة الوطنية، أو حجبها عنهم حسب انتماءتهم التنظيمية الفصائلية.
لقد آن الأوان لإعادة الزخم للوحدة الوطنية على الأرض وفي صفوف الناس في الضفة والقطاع، وصولاً إلى وحدة المؤسسات السياسية، وعلى قاعدة مناهضة الاحتلال والتمسك الحازم بالحقوق، وإطلاق الدينامية الاجتماعية الحبيسة، والكف عن إعادة انتاج القمع بمسميات جديدة وبشهية متجددة. وقد تمكن مؤتمر فتح من كسر الجمود وأشاع مناخاً جديداً، عسى أن يكون ذلك إيذاناً بتحولات على الأرض وعلى المؤسسات، وعلى مجمل الأداء السياسي لتدارك ما فات، واستنهاض الطاقات في وجه تحديات متعاظمة.