لتحصين الانسحاب الجزئي واستكمال المسيرة

04:54 صباحا
قراءة 3 دقائق

مع أنه من المبكر كما من المبالغة اعتبار يوم الثلاثين من يونيو/حزيران الماضي يوم السيادة الوطنية في العراق، فإن ما شهده ذلك اليوم من انسحاب القوات الأمريكية والمناطق الحضرية، يعتبر حدثاً مفصلياً في تاريخ هذا البلد، خاصة إذا ما تم تقييد الجانب الأمريكي بروزنامة الانسحابات فيتم خفض تدريجي للقوات البالغ عددها نحو 135 ألفاً، يليه انسحاب نهائي مع نهاية عام ،2011 اي بعد اقل من ثلاثين شهرا حتى الآن، يُذكر أن أعداداً من العسكريين الأمريكيين لم يُكشف النقاب عنها، ستظل عاملة في صفوف القوات العراقية لغايات تدريبية واستشارية.

التطور الجديد مع انسحاب القوات الأمريكية، يعني استعادة العاصمة لوجهها السيادي، وإلغاء ما يسمى المنطقة الخضراء، الأمريكي وهي تسمية تعيد التذكير بموائد القمار الخضراء، وقد قامرت تلك المنطقة بصفتها الرمزية والمادية، بمصير العراقيين والأمريكيين، وكان وجودها أحد أسباب فشل المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ويفترض تبعاً لهذا التطور أن يتحرر القرار السياسي العراقي من التأثيرات والتدخلات الأمريكية.

ومن المفارقات أنه بعد يومين على الانسحاب الأمريكي الجزئي الى أطراف المدن، قام نائب الرئيس بايدن بزيارة مفاجئة الى بغداد، ومن الغريب ان الصور التي بثتها محطات التلفزة اظهرت ان قادة عسكريين أمريكيين كانوا في استقبال بايدن الى جانب الوزير هوشيار زيباري ومسؤول عراقي آخر، وكان يفترض عقب يومين على الاحتفال بيوم السيادة الوطنية ان يقتصر المستقبلون على المسؤولين العراقيين، للتدليل على أن الوضع قد تغير وعلى أن المسؤول الأمريكي الرفيع، يحل على أرض عراقية يتمتع أصحابها بمظاهر السيادة عليها.

اللافت بعدئذ ما تم إعلانه في كل من واشنطن وبغداد، بأن بايدن مكلف بالإشراف على جهود المصالحة السياسية بين الفرقاء العراقيين، فإذا كانت الإدارة الديمقراطية تطمح للعب هذا الدور، كي تتميز عن الإدارة السابقة ذات النزوع الحربي والدموي، وتقوم بتظهير وجه سياسي إيجابي وتصالحي يؤدي للمصالحة بين العراقيين، كما بينهم وبين المستوى السياسي الأمريكي، فإنه يفترض بالحكم العراقي كما بسائر الفرقاء المحليين، أن يجترحوا طريقهم للمصالحة الداخلية ضمن أجندة وطنية وبمبادرات ذاتية.

إن المصالحة حاجة داخلية واستحقاق وطني، ولا بد من شق طريقها في أقرب الآجال لحقن دماء العراقيين ولرتق ما تفتق من النسيج الاجتماعي، ولرفع الغطاء عن العناصر الخارجية التي تخوض في دماء العراقيين وتتدخل بصورة فظة في رسم مصيرهم، وتزداد الحاجة الى إنجاز المصالحة في هذه الظروف، استعداداً لإجراء الانتخابات النيابية المقبلة في يناير/كانون الثاني من العام المقبل، وذلك لضمان أن تتم هذه العملية في ظروف مواتية وبإجراءات سليمة، بما يسمح في النتيجة ببلورة مجلس نيابي أكثر تمثيلاً لسائر الفئات والشرائح الاجتماعية، وأكثر قدرة على صياغة حياة تشريعية ودستورية متطورة، للبلد الذي نشأ فيه حمورابي (أبو القوانين)، وعلى مراقبة السلطة التنفيذية التي لم تستو أركانها بعد على أسس دستورية راسخة، ولم تتمتع بسلطة كاملة (وإن مقيدة بالقانون) وذلك لمزاحمة ميليشيات وجماعات مسلحة لها، وأحياناً بسبب تداخل السلطة التنفيذية مع قوى الأمر الواقع.

ولئن كان من المبكر الحديث عن سيادة كاملة باتت في متناول اليد، كما يتغنى مسؤولون عراقيون (وقد جنح بعضهم لتصوير الأمور على هذه الصورة، حتى قبل الانسحاب الأمريكي الجزئي الأخير)، فلعل الرئيس أوباما لا الرئاسة العراقية هو من شخص الوضع تشخيصاً صائباً، حين ذكر أن الإجراء الأخير هو خطوة مهمة على طريق تحقيق السيادة الكاملة، وهو كذلك بالفعل، فبغداد هي عاصمة الدولة ومركز السيادة، وبخضوعها وبشمول أبنائها بولاية عراقية حرة، يمثل نقطة انطلاق نحو استعادة الاستقلال، علماً بأن وجود الطرف الأمريكي وإن كان يمثل الوجود الأجنبي الأخطر والأشد كثافة ووطأة، بقدراته التسليحية وعديد أفراده، إلا أن أطرافاً خارجية مسلحة أخرى، يشكل وجودها انتقاصاً شديداً للسيادة ومساساً خطيراً بأمن العراقيين وعبثاً بمقدراتهم، ما يملي الالتقاء والتنادي لاستعادة ولاية الدولة على أرضها ومواطنيها، مع الحرص على إقامة أفضل العلاقات مع دول الجوار، على قاعدة التعاون المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحسب ما استقر عليه القانون الدولي من سُنن وأعراف.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"