متى ينتهي الحلم؟
بمجرد اليقظة . قد يقول قائل، لكن اليقظة، خارج الحلم، نوع عميق من الغيبوبة . صحونا ونهاراتنا يكملها الحلم، ويطرزها بتطلعاته وقصائده، ولولا ماء الحلم لأصبحت اليقظة مرادفة للجفاف .
نعم هكذا في المطلق، ولا استثناء لإنسان أو قومية أو بشر . نحن جميعاً أولاد الحلم منذ النطف إلى الولادة والحياة والموت . نحن أولاد الحلم، وهو أبونا، لكنه في الوقت نفسه، ولدنا الصغير، نحمله في العيون منذ الأمطار الأولى، والنوافذ الأولى، ونغني له أغاني المهد، ونهديه ألعاب الطفولة، ونلعب معه، ونكبر معه، ثم نموت ولا يموت .
في لحظات التذمر الشريرة قد يقول قائل أو آخر: أحلامي كلها انتهت، أو تحولت الى كوابيس .
تلك مصادرة للموضوع لا تصح ولا تجوز . الأحلام لا تنتهي وإنما تبدأ، كل يوم، من جديد . الحلم غيّر شعور الإنسان، وغيّر وجهة نظره، وغيّر سبيل الرؤية ووسيلة النظر . الحلم كيان قائم بذاته، ولا يهمه من بعيد أو قريب أسلوب صاحبه في النظر والحياة والحب والموت .
والأجمل أن نترك أحلامنا على هواها خصوصاً في النوم، وخصوصاً في اليقظة . الأجمل أن نحلم قبل النوم وبعده، قبل الأكل وبعده، أن نحلم دائماً وأبداً، وأن نلاحق أحلامنا وكأنها الثعالب الماكرة أو الذئاب الشاردة . أن نطاردها من بيت إلى بيت، ومن سكن إلى سكن، ومن كهف الى كهف . ألا نعود إلا بها كما يعود الصائد المحترف بفريسته .
وتعديلاً على ديكارت: أنا أحلم إذاً أنا موجود، فما قيمة الوجود من غير الأحلام والحالمين، وهل الفكر أو التفكير إلا الخطوة الأولى نحو ذلك الساحر الأثير الذي يتجلى لنا في صوره الواضحة الغامضة، المتماسكة المبعثرة، فيأخذنا به، إليه، فيه، ثم يعيدنا بين كل شك ويقين، وبين كل تصديق وتكذيب؟
ليس موضوعنا الحلم في حد ذاته، وإنما الإجابة عن هذا السؤال اللئيم: هل ينتهي الحلم؟
لو قال قائل نعم ينتهي، فليأت بالدليل . ليأتِ بالحلم مقبوضاً عليه، ومقيداً بالسلاسل والحديد .
لو قال آخر لا . . لا ينتهي، فليأت بالدليل . ليأت بالحلم مقبوضاً عليه أيضاً، حتى نلمسه ونحس به ونتأكد من شهيقه وزفيره وهو يصعد على سلالم الجنون .
habib20002@hotmail .com