في تصريحات مكررة، أعلن بنيامن نتنياهو في مفتتح جولة أوروبية أخيرة له، أن عقدة الصراع تتمثل في عدم اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة اسرائيل.
ورد هذا التصريح في غمرة مفاوضات محمومة بين واشنطن وتل ابيب حول تجميد الاستيطان، ويتولاها عن الجانب الامريكي المبعوث جورج ميتشل. هذه المفاوضات لم تنجح حتى تاريخه. والفشل ليس سيئاً بالنسبة لتل أبيب، فذلك يعني أن الاستيطان سائر على قدم وساق( وهو يشمل الجولان المحتل لا الضفة الغربية المحتلة فحسب) ما دام ان اتفاقاً بخصوصه لم يتم. أما النجاح لو تحقق فسيعني تجميداً جزئياً لا يشمل ما بُدىء ببنائه، ومؤقتاً لا يتجاوز نهاية العام..وفي هذه الحالة فإن الاستيطان لا يتوقف كلية.
لكن بعيداً عن مفاوضات الحليفين التي لا يتدخل فيها أصحاب الشأن ولا الأطراف العربية، فإن الإلحاح على مطلب يهودية الدولة، لا يشكل فقط محاولة مسبقة لإفشال أي تفاوض لاحق، بل يرمي الى الاهتداء بأيديولوجية صهيونية، لا تعبأ بأي تطورات سياسية قد تحدث. بهذا الاهتداء بل التقيد، فإن الدولة العبرية لا حدود نهائية لها حتى الآن. وهي تشمل حُكماً الضفة الغربية كما في البرنامج السياسي، الذي استند اليه زعيم الليكود في الانتخابات الأخيرة، وفي واقع الأمر فإن هذا هو المعنى الحقيقي للاستيطان، فالمستوطنات التي تبنى بحجم مدن في ما يطلقون عليه يهودا والسامرة، هي امتداد للدولة العبرية وبالتالي جزء منها. وتجميد الاستيطان حتى لو تم، لا يغير شيئاً بالنسبة لهم. فالمدن الكبيرة التي أقاموها على اكتاف المدن الفلسطينية، سوف تظل حسب سيناريوهاتهم قائمة . وهذه المدن الاستيطانية هي جزء من الدولة اليهودية التي يريد نتنياهو من العرب والفلسطينيين الاعتراف لها بهذه الهوية.. وهي ليست مجرد هوية، بل واقعاً قائماً على الأرض يتم السعي لانتزاع شرعيته من الضحايا.
فإذا ما تواصل هذه السيناريو فإن دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومنزوعة السيادة عملياً، سوف تقع حُكماً في حضن الدولة الاسرائيلية، وسيكون شأنها شأن دولة الفاتيكان بالنسبة لإيطاليا..مع فوارق الظروف فليس هناك في حالة ايطاليا واقع احتلالي، ولا مطالب سياسية مرفوعة لحاضرة الفاتيكان.
وبينما يثار في تل أبيب أن باب العودة قد يفتح للاجئين الفلسطينيين مستقبلا، الى دولتهم في الضفة الغربية، فإن السيناريو القائم يفيد ان فلسطينيي العام 1948 الباقين على أرضهم، مرشحون للتهجير الى جيوب الضفة الغربية، وذلك إعمالاً لمبدأ يهودية الدولة التي لا تتسع لغير اليهود. التخلص من الأسماء العربية للشوارع والمناطق والشاخصات المرورية هو إجراء رمزي يستدل به على المضي قُدماً في التهويد. كذلك الحال في تكثيف الوجود اليهودي في مدن مثل يافا وعكا،وتضييق رقعة تواجد أبناء المدينتين هو مؤشر آخر، على أن التهويد التام وتصفية الوجود العربي، هو ما يشغل حكومة تل أبيب وليس أي سيناريو آخر يتعلق بتسويات مزعومة.
وعليه فإن يهودية الدولة ليست مجرد شعار، ولا هي محض خطاب أيديولوجي، بل هي توجه سياسي يقترن بخطوات حثيثة لا تهدأ على الأرض. ومن شأن هذه الخطوات نسف أية أرضية للتسويات.
العجز العربي والفلسطيني، يفاقم القصور في التعامل مع هذا السرطان.فإذا كان مفهوماً أن يرفع العالم شعار تجميد أو وقف الاستيطان، وذلك كإجراء براغماتي يوفر ارضية للتفاوض، فإنه ليس مفهوماً ان يتم طي الموقف الصائب بالامتناع عن اسباغ أية شرعية او غض الطرف على الاستيطان حتى لو تم تجميده، والتوقف عن الجهر بأن الاستيطان القائم منذ بدء احتلال الأراضي العربية غير شرعي، وأنه مظهر من مظاهر الاحتلال وليس أي شيء آخر. التركيز على هذا الموقف يجعل المطالبة الدولية بتجميد الاستيطان تبدو مجرد مطلب طفيف. فيما تخضع الأطماع الصهيونية في الحالة هذه، الى الطعن السياسي والقانوني بها،فالمستوطنات ليست امتدادا للدولة العبرية، بل هي احتلال مدني وامتداد للاحتلال العسكري.
من حسن الطالع أن مطلب يهودية الدولة لا يلقى قبولاً دولياً واسعاً حتى تاريخه، لكن هذا الشعار قد يلقى مع الوقت مثل هذا القبول، في حال بقي العرب والفلسطينيون يتشبثون بأذيال المواقف الدولية، بالاكتفاء بمطلب تجميد الاستيطان (وهو ما قد يعني أو يفسر بأنه قبول ضمني بما تم بناؤه من استيطان حتى الآن .. شريطة عدم بناء المزيد!). فهاهو مطلب التطبيع العربي مع دولة الاحتلال يلقى قبولاً دولياً وقدراً من القبول العربي، في حال تم تجميد الاستيطان بصورة أو بأخرى، وخلافاً للمبادرة العربية التي تقضي بسلام شامل في حال الانسحاب الكامل من كامل الأراضي العربية المحتلة، فإذا ما مضت الأمور على هذه الوتيرة فإن مطلب يهودية الدولة مرشح لأن يتم القبول به لاحقاً.. وربما بدعاوى مثل: إنهم يهود ودولتهم يهودية فماذا نخسر إن سمينا الأشياء بأسمائها؟!.
إنها لعبة الشطرنج الخطيرة التي يتم فها تحريك البيادق وسط غفلة أحد اللاعبين، بزعم أن اللعبة ما زالت في بدايتها ولا تثير القلق، ليجد هذا اللاعب في النهاية أنها مدفوع لتنقيل بيادقه، في الاتجاه الذي صممه اللاعب الآخر.