منطق عدم التدخل في السيناريو الكبير

04:44 صباحا
قراءة 3 دقائق

نشرت صحيفة هآرتس في تل أبيب قبل أيام ما أسمته هيكلية لخطة سلام أمريكية، يعتزم الرئيس أوباما طرحها من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تبدأ أعمالها يوم الثالث والعشرين من سبتمبر/ أيلول الجاري.

البيت الأبيض لم يعقب على ما أوردته الصحيفة، غير أن الأفكار الواردة والقريبة من توجهات الرئيس الأمريكي الرابع والأربعين، تومئ بأن مضمون الوثيقة على جانب من الصحة. تدور الوثيقة حول خمس، نقاط رئيسة: تجميد الاستيطان، مبادرات حسن نية تطبيعية مع الكيان، إجراء مفاوضات إسرائيلية فلسطينية ضمن جدول زمني لا يتعدى عامين، حضور أمريكي على مائدة التفاوض، عقد مؤتمر دولي للسلام في موسكو لإحياء المفاوضات على المسارين السوري واللبناني.

من الواضح أن الإدارة الأمريكية سعت إلى التوفيق بين مطالب الأطراف كافة. وذلك كحصيلة للاتصالات التي تمت على مدى سبعة أشهر والتي تولاها على الخصوص المبعوث جورج ميتشل. يذكر في هذا الإطار أن الرئيس أوباما سبق أن تحدث عما يعتبره إشارات إيجابية مطلوبة من الدول العربية، وقد تحدث عن قبول عربي لمطالبه وهي في الأصل مطالب إسرائيلية، وقد استثنى المملكة العربية السعودية التي لم تبد تجاوباً مع هذا المطلب وهو ما كررت الصحيفة الاسرائيلية التطرق إليه في الوثيقة التي قالت إنها استقتها من مصادر أمريكية.

وإذا كان البيت الأبيض اعتصم بالصمت إزاء نشر هذه الوثيقة، فإن الأطراف العربية بما فيها الطرف الفلسطيني لم تعقب على مضمون هذه الوثيقة، رغم أهميتها الاستثنائية ويستذكر المرء هنا أن جورج بوش الأب قد عرض في مناسبة مماثلة، خطة عقد مؤتمر مدريد للسلام من على منبر الأمم المتحدة، وذلك في أعقاب حرب استعادة الكويت عاصفة الصحراء خريف العام 1991. وعليه فإنه من الراجح أن يتولى الرئيس الديمقراطي، عرض هيكليته السلمية من على منبر الجمعية الدولية، على شاكلة الرئيس الأسبق وذلك في إطار الحديث عن توجهات سلمية تشمل العراق وأفغانستان وإيران.

ليس معلوماً إذا كان الرئيس اوباما، قد عرض بالتفصيل جوانب خطته على ضيفه الرئيس مبارك في وقت سابق من أغسطس/ آب الماضي، وإن كان الرئيس المصري قد شدد في أثناء زيارته على عامل الوقت لإنجاز تسوية سياسية. وسيكون أمراً فاجعاً أن يتولى الرئيس الأمريكي عرض خطته من دون أن تكون الأطراف العربية قد أسهمت في وضع ملاحظاتها واقتراحاتها قبل عرض الخطة، والتحذير مما تتضمنه من فجوات. فلا شك أن الخطة تحرز خطوات إلى الأمام في مقاربتها لمعضلة التسوية في أمرين مهمين. الأول في تحديد سقف زمني للتفاوض لا يتجاوز عامين، وذلك رداً على السيناريو الذي وضعه اسحق شامير قبل ثمانية عشر عاماً، ويقضي بإجراء مفاوضات مفتوحة لا نهائية، يتم خلالها مصادرة المزيد من الأراضي، وتهويد بيت المقدس وتجويف السلطة إلى مجرد إدارة لحكم ذاتي.

الأمر الثاني هو أهمية الحضور الدولي في مجرى التفاوض، وكانت تل أبيب وما زالت تتمسك بإجراء تفاوض لا شركاء فيه ولا شهود عليه، حتى لو كان الشريك أو الشاهد هو الحليف الأمريكي. فيسهل اتهام الطرف الآخر بالتعنت أو تضييع الفرص، والقول بعدئذ: آسفون، لقد فشلت المفاوضات، الطرف الآخر لا يريد لها أن تنجح.

وتقريباً من اللحظة السياسية الراهنة، فقد دعا مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، قبل أيام في القاهرة إلى أن يتولى مجلس الأمن تحديد حدود الدولة الفلسطينية في إطار الأراضي المحتلة العام ،1967 وذلك كيما يكون قرار من هذا النوع مرجعاً للمفاوضات المقبلة. هذه الدعوة الحصيفة في حال الأخذ بها وإذا ما تنادى العرب والفلسطينيون لتبنيها، مع التمسك بكامل الأرض المحتلة، من شأنها أن توفر أرضية ومرجعية لمفاوضات ذات جدوى ومعنى، إضافة إلى أهمية ألا يقتصر الحضور الدولي في المفاوضات على الجانب الأمريكي فهناك حاجة موضوعية وماسة لمشاركة الأمم المتحدة على الأقل. غير أن البادي والحاصل أن واشنطن وتل أبيب تنهمكان في مباحثات شبه يومية، حول توجهات المرحلة المقبلة، فيما يكتفي أصحاب العلاقة العرب والفلسطينيون بانتظار شهامة وكرم الرئيس أوباما، دون أن يتجشموا عبء التدخل في صياغة التوجهات الأمريكية، ووضع السيناريوهات الصالحة لاستعادة الحقوق وعدم تبديد المزيد من الوقت.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"