لم تعد منطقتنا تقع كما كانت في سنوات غابرة بين خياري السلم والحرب، بل باتت أسيرة المراوحة بين جمود خطير، وحرب متعددة المواقع والاتجاهات .
قبل أيام ثار بركان في ايسلندا، وحسب توصيف العلماء فإن الانفجار البركاني بدأت حممه تتطاير من تحت نهر جليدي، ولم تلبث سحابة سوداء أن غطت سماء أوروبا، وشلت حركة الملاحة الجوية العابرة للقارة الجوية ما أوقع خسائر فادحة بالمليارات لعشرات من الدول وشركات الطيران .
الجمود السياسي في الشرق الأوسط لا يقل صلابة عن جمود نهر الجليد الايسلندي . ترفض تل أبيب الاستجابة لمناشدات الدولة العظمى بتجميد الاستيطان بما يسمح باستئناف المسيرة التفاوضية فلسطينياً وعربياً ولا تتوقف عند رفض الإصغاء لحلفائها في واشنطن، إذ وضع للحلفاء جدول أعمال يتصدره ضرب المنشآت النووية الايرانية . الاشارات الأمريكية المتباينة حول اللجوء إلى مجلس الأمن والتهديد بفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية مع السعي لاحتواء الأزمة، وعدم طرح الخيار العسكري جانباً، هذه الإشارات هي في عرف تل أبيب ضرب من التباطؤ المتمادي الذي لا ترتضيه الدولة الصهيونية .
تقارير إعلامية أمريكية تحدثت في الأيام القليلة الماضية عن نقاش محموم داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية بين مزايا ومحاذير ضربة اسرائيلية منفردة تستهدف مواقع ايرانية، وبين عدوان يحظى بضوء أخضر أمريكي . بهذا فإن الجدل لا يدور حول خيار حربي وآخر سياسي، بل حول ظروف استهداف عسكري: هل يتم بتنسيق أو حتى بمعرفة الجانب الأمريكي أم لا؟ واشنطن التي سبق أن مدت اليد لطهران تبدو متريثة بل مترددة في التصعيد العسكري، وتتوجس من جموح اسرائيلي، لأسباب تتعلق بتأمين الخروج من المستنقع العراقي، بعد ستة عشر شهراً، وعدم شحن طالبان بأسباب جديدة للتعبئة ضد الوجود الأمريكي في أفغانستان، مع الأخذ في الاعتبار التوتر القائم بين حزب الله ودمشق من جهة وتل أبيب من جهة ثانية على خلفية أقاويل عن نقل صواريخ سكود من الأراضي السورية إلى المقاومة في جنوب لبنان، وهو ما نفته دمشق تكراراً، علاوة على اعتبارات أخرى تتعلق بأمن الخليج وبذيول الأزمة المالية العالمية التي انبثقت شرارتها من الولايات المتحدة .
طهران من جهتها ترى في الحرب احتمالاً واقعياً وتتهيأ لها، ويقوم حرسها الثوري بمناورات ضخمة في خليج هرمز، والتعبئة الداخلية تنتقل من ذروة إلى أخرى، وتمحى الحدود بين الخطاب التعبوي والسياسي . وفيما تنجح تقنياً المناورات التفاوضية كالترحيب بالوساطة التركية التي قادها رئيس الدبلوماسية أحمد داود اوغلو، والتعاطي الايجابي معها، فإن المناورات السياسية تبدو غائبة في ما خص السلم والأمن الاستراتيجيين، وعلى نحو أكثر تفصيلاً حول إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل مثلا، أو الاقتراب من الرؤية السورية لخيار السلام العادل، ويتم الاستعاضة عن ذلك بتصريحات صفرية حول ازدياد علامات زوال اسرائيل ما يوفر فرصة لمضاعفة التعبئة في الغرب ضد طهران، ويوفر لتل أبيب فرصة المضي في التغول الاستيطاني ومضاعفة الاحتلال رداً على تهديدات لفظية تتعرض لها، من دون ان تتوقف المؤشرات حول التمسك بالتصعيد العسكري كخيار وحيد ضد طهران، وإظهار أن الخلاف مع واشنطن لا يقتصر حول سبل تمهيد التفاوض مع الفلسطينيين، لكنه يتعلق أساساً بسبل التعامل مع التهديدات الإيرانية باعتبارها تمثل الخطر الأول .
ويزداد التشابك مع قناعات متزايدة لدى دوائر أمريكية نافذة بأن احراز سلام في منطقتنا،يمثل حماية للمصالح الأمريكية وحتى لأرواح الجنود الأمريكيين كما يمثل احتواء للتطلعات الايرانية، كما شهدت على ذلك تفاعلات التصريح الذي أطلقه الجنرال ديفيد بترايوس، وهو ما تنكره تل أبيب إنكارا تاماً، والتي لا تجد من سبيل سوى عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية نحو إيران كما تجاه حزب الله .
وبينما يصل المبعوث الأمريكي جورج ميتشل مجدداً إلى المنطقة في جولة ضمن جولات دأب على القيام بها مبعوثون أمريكيون حتى في عهد بوش الابن، فإن تل أبيب لا تتوقف عن اطلاق المؤشرات على أن أولوياتها واهتماماتها تقع في مكان آخر . وفيما تسعى واشنطن بقدر ملحوظ من الكلل إلى الجمع بين مساعي السلام وممارسة الضغوط على طهران، فإن تل أبيب تفصل بين الأمرين، وتمنح أولوية وحيدة لمواجهة الخطر النووي الايراني، وبالطبع جنباً إلى جنب مع إبداء الهزء من دعوات دولية بينها دعوات أمريكية، كي تنضم الدولة الصهيونية لاتفاقية حظر الانتشار النووي .ومع أن المواجهة ليست حتمية إذا ما رفضت واشنطن بشكل قاطع توقيت هجوم اسرائيلي وحجمه ومداه ،فإن باب المناورات يظل مفتوحاً، فالخلاف بين واشنطن وتل أبيب حول سبل استئناف التفاوض يمكن الالتفاف عليه عبر إبداء عدد من اللفتات، قد ترى فيها واشنطن تطوراً ايجابياً وعنصراً كافياً، وبديلاً ولو مؤقتاً عن طلب تجميد الاستيطان، وهذا التطور إذا ما حدث فإنه يوفر لتل أبيب فرصة للزعم بأنه بما أن الطريق إلى السلام قد تم شقه من جديد، ولا يبقى سوى التركيز على الخطر الأكبر المتمثل في التهديدات الإيرانية، وأن إدارة أوباما إذا لم تحزم أمرها فإنه لا يبقى أمام تل أبيب إلا أن تتصرف بصورة منفردة، وهو ما تردد مراراً على ألسنة مسؤولين عسكريين وسياسيين صهاينة على امتداد السنة الأولى من عهد أوباما .