نموذج للحياة السياسية المفتوحة

05:08 صباحا
قراءة 4 دقائق

يستوقف الحراك السياسي والإعلامي الذي تشهده مصر منذ أواخر العام الماضي، اهتمام شرائح واسعة من النخب العربية، كما لدى فئات من الجمهور العريض، في غير بلد عربي ومن دول المشرق بالذات . فلئن كان هناك قدر كبير من الاتفاق بين ممثلي شتى التيارات السياسية والفكرية على أن العالم العربي بات متعدد الأقطاب لا يقوده قطب واحد، وأن المعادلات القائمة داخل الإقليم العربي تزكي هذه القناعة، فإن هذه القناعة ذاتها التي تجد لها الكثيرين ممن يؤيدونها في مصر، إلا أن هذا البلد العربي الكبير مازال يمتلك جاذبيته الخاصة وإشعاعه الفريد، والحراك الصاخب الذي يشهده بلا انقطاع منذ شهور هو شاهد على ما تقدم .

بدأ هذا الحراك كما هو معلوم مع إعلان المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية المصري محمد البرادعي استعداده للترشح لانتخابات الرئاسة في بلاده المقررة في موعد لم يحدد بعد بصفة نهائية في العام المقبل ،2011 وقد جاء هذا الإعلان عقب مغادرته للمركز الدولي الرفيع . منذ ذلك التاريخ وقبل نحو ستة أشهر من الآن، بات الرجل موضع اهتمام دائم شبه يومي في وسائل الإعلام المصرية المرئية والمسموعة، وقد اقترن الاهتمام به بحوارات نشطة حول فكرة تعديل الدستور، وشروط الترشح، وواقع الأحزاب السياسية، حيث رفض البرادعي الانضمام إلى أي منها . وكان المثير في الأمر أن الرجل لم يُعرف عنه من قبل انشغال حميمي بالوضع الداخلي في بلاده، نظراً لإقامته الممتدة في الخارج لأزيد من عقدين متصلين، كما لم يعرف عنه اتخاذه مواقف سياسية ناقدة .

ومع أن الرجل بقي مرشحاً غير مرشح بالفعل، أو مرشحاً غير رسمي، إلا أن إقدامه على تلك الخطوة المتاحة أمامه كما أمام سواه، أسهم بصورة مباشرة في إطلاق ذلك الحراك الذي لم يتوقف . ومع أن الرجل اتخذ مواقف صريحة بعضها حاد، إلا أنه أمكن له من دون عوائق تذكر تقديم نفسه وأفكاره للجمهور، وذلك بفضل الهامش الواسع المتاح لحرية التعبير في بلاده . . وهو ما لا يراه بعض السياسيين المصريين هامشاً واسعاً، غير أنه كذلك من منظور واقع حريات التعبير في مصر سابقاً، وواقع هذه الحريات في المشرق العربي، وخاصة حين يتعلق الأمر بتنافس سياسي على تداول السلطة .

قَلّ أن شهدت منطقتنا مثل هذا التنافس المفتوح والعلني الذي يرسل إشعاعه إلى خارج الحدود، بل لعلها سابقة تؤسس لنموذج يصح القياس عليه مستقبلاً، إذا ما قيض لمثل هذا التنافس أن يتكرر في بلد ما . . وهو أمرٌ لا يلوح في الأفق القريب . علماً أن الجدل المحتدم في أرض الكنانة إذ يتمحور حول مسألة التنافس هذه، فإنه يتناول قضايا أخرى على صلة بها مثل قانون الطوارئ الذي جرى تمديد العمل به من طرف مجلس الشعب، مع قصر تطبيقه على القضايا المتعلقة بالمخدرات والإرهاب . وفيما تحاجج تيارات معارضة ومستقلة بأن التمديد للقانون يراد به التأثير في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في العام المقبل، إلا أن السلطات تؤكد على حصر حال الطوارئ على تلك القضايا من دون غيرها . كما تثار مسائل أخرى في إطار الجدل المفتوح حول المواطنة وحقوق عنصري الأمة، والمقصود أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية، إلى جدل فرعي حول حرية العقيدة وضوابطها، ثم حول حقوق الإنسان عامة ومدى التقيد باحترامها .

وعلى هامش ذلك تثور نقاشات حول العلاقة بين الأحزاب السياسية وهي في غالبيتها مدنية، وبين جماعة الإخوان المسلمين الممثلة في البرلمان، والتي تتخذ مقار علنية لها، برغم أنها غير معترف بها قانوناً، وتمتد النقاشات إلى الأوضاع الداخلية لهذه الأحزاب والتنازع غير المستتر على قيادتها، وبالذات في صفوف حزبي الغد والوفد . وتنشر الصحافة المستقلة تقارير عن نزاعات يشهدها الحزب الوطني وعلى الخصوص حول الترشح للانتخابات، كما جرى في انتخابات مجلس الشورى مؤخراً، حتى إن الفرق الصوفية تحظى بمتابعة شؤونها وتقصّي الميول السياسية لقياداتها .

هذا الجدل الثري واليومي ينخرط فيه ناشطون سياسيون مستقلون وموالون ومعارضون على السواء، وصناع رأي عام من أكاديميين وباحثين ومعلقين وحتى فنانين ومثقفين وأدباء، وكثير منهم يعبرون عن مواقفهم في منابر عربية في الخارج . وبصرف النظر عن توجهات هذا الفريق أو ذاك، فإن علنية الجدل العام الذي يمتد إلى فضائيات مصرية خاصة وإلى شبكة الإنترنت، يمثل بحد ذاته حالة متميزة تثير الاهتمام وتحمل على المتابعة، وتضع مصر إلى جانب لبنان كنموذج لإطلاق حياة سياسية مفتوحة نسبياً، مع خصائص يتميز بها كلا البلدين، وحيث التداول في الشأن العام ليس حكراً على السلطات أو وقفاً عليها، ولا هو حكر كذلك على مجلس نيابي برغم الصفة التمثيلية التي يتمتع بها .

وعليه فإذا كانت هناك ملاحظات حول الدور الإقليمي والقومي لمصر، وحضورها السياسي الفعلي في الإقليم مقارنة بقدراتها الذاتية وبسجلها السابق في هذا المضمار، فإن النموذج الداخلي للحياة السياسية والعامة الذي يطرحه هذا البلد دولةً ومجتمعاً، يشكل مصدر جذب، لحيويته الشديدة وزخمه اللافت، ولم يكن ذلك ليتأتى إلا لما تتمتع به النخب المصرية من روح المبادرة والنضج السياسي، ولما تتمتع به السلطات من مرونة ملحوظة في تعاطيها مع الفاعلين السياسيين (باستثناء الإخوان المسلمين)، ومع الحريات الإعلامية، وربما يضاف إلى ما سبق عامل آخر وهو ضغط الظروف الاقتصادية والأزمة الاجتماعية، بما لا يسمح بأي احتقان إضافي .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"