التسوية بين "الكردستاني" وأنقرة تغلفها الشكوك

02:56 صباحا
قراءة 6 دقائق

في الفترة الواقعة بين 30 يونيو/ حزيران و5 يوليو/ تموز، عقد حزب العمال الكردستاني مؤتمره التاسع في معاقله بجبال قنديل، وانتخب قيادة جديدة، تتمثّل بجميل بايك (62 سنة) رئيساً له، بالمناصفة مع القياديّة بسيه هوزات (كرديّة علويّة) . ويكتسب هذا المؤتمر أهميّة استثنائيّة لكونه أتى وسط العمليّة السلميّة بين الكردستاني وتركيا، وما باتت تشهده من سحب الشكّ وعدم الثقة من الجانبين .

رغم أن قيادة الكردستاني الجديدة أعلنت التزامها بخطّة السلام بين أنقرة وأوجلان، إلاّ أنها هددت باللجوء إلى الشارع والتظاهرات والاعتصامات العارمة، في حال نكثت الحكومة التركيّة بوعودها . وأصدر الكردستاني بياناً، يوم 19-7-،2013 شديد اللهجة، معتبراً إيّاه الإنذار الأخير لحكومة العدالة والتنمية، إذا لم تسرع في الإيفاء بالتزاماتها حيال عمليّة السلام، وإجراء الإصلاحات الدستوريّة اللازمة، المتفق عليها . محمّلاً الحكومة التركيّة، مسؤوليّة العواقب والتبعات الوخيمة، الناجمة عن إصابة عمليّة السلام بالشلل .

الحقّ أن لغة التشكيك والاتهام وعدم الثقة، حلّت محلّ التفاؤل والارتياح التي كانت تسود الإعلام التركي، بخاصّة بعد انتخاب جميل بايك رئيساً للجنة التنفيذيّة للعمال الكردستاني، خلفاً لمراد قره إيلان . فهل القلق التركي في محلّه؟ وهل هنالك من خشية على العمليّة السلميّة مع وجود بايك في رأس هرم الكردستاني، بعد أوجلان؟ . وهل هنالك دور لدول إقليميّة في تغيير قيادة الكردستاني؟

جميل بايك

ولد بايك سنة 1951 في ناحية كيبان التابعة لمحافظة آلعزيز . كان طالباً في كليّة اللغات والتاريخ والجغرافيا بجامعة أنقرة سنة 1970 . تعرّف إلى عبدالله اوجلان الذي كان طالباً في كليّة العلوم السياسيّة بالجامعة نفسها، عن طريق كمال بير (1952-1982) من مؤسسي العمال الكردستاني، تركي الاصل، كان عضواً في اليسار التركي، وشارك ضمن الفصائل الفلسطينيّة في لبنان . فقد حياته إضراباً عن الطعام حتّى الموت في سجن ديار بكر سنة 1982) . وأصبح بايك أحد الأشخاص الخمسة الذين شكلوا الخليّة الأيديولوجيّة الأولى للكردستاني سنة 1973 . وشارك في مؤتمره التأسيسي المنعقد في قرية فيس التابعة لمنطقة لجة بمحافظة ديار بكر، في28-11-1978 . وشارك في كل مؤتمرات الحزب . وترأس المنظمة في لبنان من 1980 حتّى بعد الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان 1982 . وكان على علاقة جيّدة مع بعض الفصائل الفلسطينيّة خصوصاً الجبهتين الشعبيّة والديمقراطيّة لتحرير فلسطين .

برز دور بايك في قيادة الحزب، بعد اختطاف واعتقال أوجلان سنة 1999 . لكنّه لم يكن في الواجهة بشكل مباشر . وصحيح أن سلفه، مراد قره ايلان، ترأس اللجنة التنفيذيّة، إلاّ أن الرجل الثاني في الحزب، والرئيس الخفي للعمال الكردستاني بعد أوجلان، كان جميل بايك، لما يتمتّع به من تأثير ووزن آيديولوجي داخل قواعد الحزب، كونه من مؤسسي الكردستاني، وشديد الاخلاص لأوجلان . وهذا لا يعني أن بقية أعضاء قيادة الحزب ليسوا مخلصين لأوجلان، إلاّ أن الاخير كان ينظر إلى بايك كبديلٍ له، رغم انتقاداته لبايك، وقول أوجلان عنه: إنه يفضّل البقاء في الصفوف الخلفيّة للمعركة . ما يعني أن انتخاب جميل بايك (الاسم الحركي: جمعة) يمكن اعتباره تحصيل حاصل .

الكردستاني وتحولاته الاسميّة

بعد اعتقال زعيم الكردستاني عبدالله اوجلان سنة ،1999 طالب حزبه، بحلّ نفسه، وتشكيل أحزاب كرديّة في أجزاء كردستان الأربعة، منضوية في تكوين سياسي جديد، باعتبار الكردستاني يضم في صفوفه أكراداً من سوريا والعراق وتركيا وإيران، ويضيق بهم اسم الحزب، ويجب أن يعكس اسمه حالة المؤتمر او المنظمة التي تنضوي تحت سقفها أحزاب وتنظيمات عدّة . وحقق الكردستاني مطلب أوجلان، سنة ،2000 وغيّر اسمه إلى مؤتمر الحريّة والديمقراطيّة الكردستاني KADEK . ثمّ حلّ التنظيم الجديد نفسه، وحوّله إلى مؤتمر الشعب الكردستاني

(Kongira Gel) سنة 2003 . ثمّ إلى اتحاد الجمعيات الكردستانيّة ((koma komel#234;n Kurdistan - KKK ثم إلى منظومة المجتمع الكردستاني (koma civak#234;n kurdistan - KCK .) ثمّ أعاد الكردستاني الإعلان عن نفسه كحزب مجدداً . كل ذلك

خلال 5-6 سنوات . ما يعني: تعددت التسميات والمسمّى واحد .

خلال فترة التحولات هذه، بقي جميل بايك محافظاً على وزنه وثقله ودوره وتأثيره في الحزب، في مواجهة فريق او تيّار عثمان أوجلان (شقيق عبدالله أوجلان، الذي انشقّ عن الحزب سنة 2004) . وكان لبايك الدور البارز والاستراتيجي في مواجهة التيّار الإصلاحي في الحزب، إن جاز التعبير، ممثلاً بعثمان أوجلان . ومع انشقاق الأخير ورفاقه، ازداد تأثير بايك وحضوره في الحزب، من دون منازع .

خلفيّات انتخاب بايك

صحيح أن عبدالله أوجلان، هو الرئيس الفعلي والأيديولوجي والحقيقي للكردستاني، حتّى وهو داخل سجنه الانفرادي بجزيرة إمرالي، وصحيح أن مراد قره إيلان، كان مرشّح أوجلان لتولي منصب قيادة الحزب، بالوكالة عنه، إلاّ أن قره ايلان، استنفد حقّه في هذا المنصب لدورتين، وفق النظام الداخلي وميثاق العمال الكردستاني . ويمكن إحالة انتخاب بايك لأسباب عدّة، أبرزها:

1 عدم وجود منافس حقيقي له، على الرغم من وجود قيادات مهمّة في الكردستاني كمصطفى كاراسو، ودوران كالكان (تركي الأصل)، وصبري أوك، ورضا آلتون وعلي حيدر كايتان . دون أن ننسى أن هذا المنصب، يبدو أنه محصور في كرد تركيا، بالرغم من تواجد كرد سوريا والعراق وإيران في صفوف العمال الكردستاني!

2 إرسال رسالة إلى الحكومة التركيّة تفيد بضرورة الإسراع في العمليّة السلميّة، ذلك أن بايك محسوب على جناح الصقور في الكردستاني .

3 خلال فترة نشاطه في سوريا ولبنان وإيران، يعتبر بايك من الذين يميلون إلى الإبقاء على الكردستاني ضمن المحور السوري - الإيراني . وكانت هنالك تصريحات لسلفه، قره ايلان، تفيد بأن جهة إقليميّة عرضت على الكردستاني المال والسلاح، كي يعدل عن التسوية السلميّة مع انقرة، ويستمرّ في حربه، إلاّ أن الكردستاني رفض ذلك . وأشارت تقارير إعلاميّة واستخباريّة ان تلك الجهة هي إيران . وأن قاسم سليماني هو الذي اجتمع مع قيادات الكردستاني إمّا في السليمانيّة او في جبال قنديل . والجدير بالذكر ان إيران كانت تقصف بشدّة مناطق جبال قنديل، مع بداية الثورة السورية . ولكن، ما لبث أن توقّف هذا القصف . وأعلن حزب الحياة الحرّة الكردستاني (PJAK جناح العمال الكردستاني في إيران) عن وقف عملياته العسكريّة ضدّ طهران، ما فسّره مراقبون أنه يأتي في سياق تسوية بين طهران والكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال طالباني، تهدف إلى تحييد كرد سوريا عن الثورة السوريّة .

تجدر الإشارة إلى أن أوجلان كان على علاقة وطيدة مع طهران، واجتمع بوزير خارجيّتها الأسبق، علي أكبر ولايتي، أكثر من مرّة، أثناء تواجد أوجلان في دمشق .

التأثير في التسوية

ربما يخفى على الكثيرين أنه مهما تغيّرت قيادة الكردستاني، فإن القرار الفصل بيد عبدالله أوجلان . فهو الذي إذ يقول للكردستاني كنْ فيكون . وبالتالي، قد تكون المخاوف التركيّة من تولي بايك منصب رئاسة اللجنة التنفيذيّة للكردستاني، مبالغاً فيها . وربما تحاول جهات إعلاميّة وسياسيّة، رافضة للتسوية السلميّة، داخل السلطة والمعارضة التركيتين، زيادة التهويل من انتخاب بايك، لوضع العصي في عجلة حكومة أردوغان وعرقلتها، وصولاً لنسف العمليّة السلميّة من الأساس .

ومن جهة أخرى، يمكن قراءة التخوّف التركي المبالغ فيه، على أن الحكومة، فعلاً، غير صميميّة وجادّة في إيفاء التزاماتها حيال خطّة السلام، عبر الإسراع في إجراء إصلاحات دستوريّة وقانونيّة تزيد من هامش الحريّة امام اكراد تركيا . وتتخذ من وجود بايك في رئاسة الكردستاني حجّة ومبرراً لذلك . مع العلم أن عبدالله أوجلان، المرشد الأيديولوجي وزعيم الكردستاني موجود بحوزة أنقرة! .

وحتّى لو افترضنا جدلاً أن بايك، هو الورقة الإيرانيّة - السوريّة التي يمكنها أن تفسد التسويّة السلميّة، فيجب على حكومة العدالة والتنمية، تسريع الخطى نحو الإصلاحات والإيفاء بالتزاماتها حيال خطّة السلام والتفاهم المبرم مع أوجلان، وبالتالي، سحب البساط من تحت أقدام دمشق وطهران، وعدم إفساح المجال لاستثمار الكردستاني، مجدداً، كورقة ضغط ضدّ تركيا . ذلك أن أيّ تقاعس أو نكوص أو نكث بالوعود من قبل الحكومة التركيّة، يعني أن الصراع الكردي - التركي سيعود للمربّع الدموي الأوّل، ويكون نظاما طهران ودمشق هما الرابحين من نسف التسويّة السلميّة بين أنقرة والكردستاني .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"