الفوضى المنظمة

الثورات العلمية الكبرى
13:52 مساء
قراءة 5 دقائق
أجرى العالم الاسترالي نيكلسون تجارب على الذباب، حيث كان يقدم كل يوم مقداراً ثابتاً من الطعام لذباب كان يربيه في وعاء زجاجي، وفي نهاية اليوم، كان العالم يحصي الذباب ويسجل الرقم على سجل. وفي هذه التجربة، كان الباحث يعمل على دراسة تأثير الغذاء والبيئة على التجمعات السكانية في الاحياء وهو ما يعرف بعلم الايكولوجيا أي توازن الاحياء. وقد لفتت انتباه نيكلسون اثناء التجارب ظاهرة غريبة، إذ لاحظ ان التوازن الطبيعي الذي كان يبحث عنه كان متأرجحاً ففي بعض الأحيان كان عدد الذباب يصل الى عشرة آلاف في حين أن هذا العدد كان يهبط في مرات أخرى الى بضع مئات. ولاحظ العالم ايضاً ان هذه النتائج تتبع دورة تتكرر مرة كل 38 يوماً تزيد أو تنقص قليلاً بين الحين والآخر. لكن المفاجأة المحيرة كانت ان هذه الدورة ازدادت اضطراباً بعد العام الأول الى حد أصبحت معه عشوائية. فما سبب هذه التناقضات؟ ولماذا الفوضى بعد النظام؟ وما سر هذه الفوضى الموقوتة أو ان جاز التعبير هذه الفوضى المنظمة.

والواقع ان هذه الملاحظات بالغة الأهمية، لأنها قد توفر للعلماء اجابات حول مسائل مهمة مثل الانفجار العددي لدى الحشرات والحيوانات والذي تعاني البشرية منه آلاف السنين، فالجراد حينما يتكاثر يزحف برعب حاجباً في طريقه قرص الشمس وملتهماً الأخضر واليابس الى درجة أنه اعتبر في مصاف اللعنات التي تصيب البشرية. وكذلك الطاعون الذي ينتشر بين الحين والآخر. وليس مرض فقدان المناعة المكتسبة الايدز سوى آخر العنقود في سلسلة طويلة من النكبات التي تصيب البشر على نطاق واسع. فما سر هذا الاختلال في التوازن الطبيعي؟ ولماذا يصل أحياناً بانتظام وأحياناً أخرى بصورة عشوائية وما اهميته؟

وهل هو وقف على المنظومات الحية أم أنه مظهر لظاهرة عامة في الكون؟

جدلية النظام والفوضى

حتى فترة وجيزة حاول العلماء شرح الفارق الموجود بين النظام والفوضى بطريقة مباشرة كالقول بأن هذا النظام معقد وذلك بسيط، لكن التعقيد ليس تفسيراً كافياً لأن الفوضى نفسها يمكن ان تولد عن نظام هو في جوهره في منتهى البساطة، والفارق على ما يبدو يكمن في اختلاف طبيعتي النظام والفوضى. فالعوامل المسؤولة عن حركتي المد والجزر مثلاً تتفاعل مع بعضها البعض بطريقة منتظمة يمكن التنبؤ بها سلفاً الأمر الذي يجعلها مظهراً من مظاهر النظام، في حين ان الطقس يعتمد على عوامل متغيرة تتفاعل مع بعضها البعض بطريقة غير منتظمة لا يمكن توقعها سلفاً ومعنى ذلك ان الطقس ينتمي الى عالم الفوضى، بمعنى ان البحار المجرب قادر على معرفة احوال البحر والارصاد الجوية تستطيع ان تعرف حركات المد والجزر لفترات طويلة حتى أن هناك اليوم جداول دقيقة عنها لسنوات طويلة مقبلة في حين ان ملاح الطائرة يعجز عن الحصول على مثل هذه التنبؤات على صعيد الأحوال الجوية ولو لبضعة أيام وأحياناً ساعات حتى ان اكبر الكمبيوترات الأكثر تفوقاً والاسرع في عمليات المعالجة غير قادرة على حل الغاز الأحوال الجوية لأكثر من أيام معدودات. فما السبب اذن وراء هذه الاختلافات والتعقيدات؟

في أوائل الستينات وبينما كان العالم الامريكي ادوارد لورنتز يجري بعض التجارب لدراسة الأحوال الجوية باستخدام الكمبيوتر لمحاكاة انموذج مبسط لنظام الاحوال الجوية، أراد إعادة التدقيق في بعض النتائج، فأعاد تشغيل جهازه من جديد. ولرغبته في اختصار الوقت أعاد ادخال الارقام التي انتهى اليها الكمبيوتر والتي كانت لا تختلف الا بمقدار ضئيل عن الأرقام التي بدأ بها العملية. وكان لورنتز يتوقع التوصل الى نتائج مماثلة، لكن عندما اعاد مراجعة البيانات وجد ان الكمبيوتر اعطاه توقعات مختلفة كلياً. وكانت تلك الملاحظة بمثابة البذرة التي ولد منها علم جديد استطاع ان يميط اللثام عن كثير من الالغاز والظواهر المحيرة المتفاوتة بين الاختلال والتعقيد والفوضى.

العشوائية تخضع للنظام

في منتصف السبعينات لاحظ العالم ميشيل فايفنباوم حين كان يعمل في مختبر لوس الاموس الوطني بنيكومكسيكو، انتظاماً في سلوك بعض المعادلات الرياضية البسيطة حينما يتكرر اجراؤها كلما اعيدت تغذية الكمبيوتر بالنتائج على هيئة معادلات. وكانت المفاجأة ان فايفنبام لاحظ اثناء مراقبته للأرقام وهي تتحول من الانتظام الى عدم الانتظام، ظهور انماط رسومية تفرعية كما لاحظ ان معادلات مختلفة تماماً تنتج الأنماط نفسها اثناء التحول من الانتظام، ظهور انماط رسومية تفرعية كما لاحظ ان معادلات مختلفة تماماً تنتج الأنماط نفسها اثناء التحول من الانتظام الى الفوضى كما لاحظ ان هذه التفرعات تتسارع بمعدل معين ثابت وهو ما يعرف الآن باسم عامل فايفنباوم وقيمته 4،669201) وكان ذلك بمثابة تقدم كبير حيث أصبح بالإمكان دراسة الحد الفاصل بين السلوك المنتظم والسلوك الفوضوي.

ويفترض الفيزيائيون حينما يرون علاقة عشوائية بين ما يدخل في المنظومة وما يخرج منها، ان العشوائية لا بد ان تكون جزءاً من المنظومة على شكل تشوش أو خطأ ويعود هذا الاتجاه لكون غالبية العلماء تؤمن بأن الكون مسير بمجموعة قواعد وقوانين محددة صارمة لا مكان فيها لعامل الصدفة، لكن الحقيقة ان التطورات العلمية خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، دفعت بالعلماء الى الاقرار بأن الأنظمة ذاتها التي تخضع لقوانين محددة يمكن كذلك ان تتصرف تصرفاً عشوائياً. وقد أثار هذا الكشف اهتماماً علمياً كبيراً واخذت الأوساط العلمية تتساءل عما إذا كانت المنظومة الكونية مبنية على النظام والفوضى في آن واحد. وقد ترافق هذا المفهوم مع فرع من الرياضيات مفاده ان المنظومات التي تتبع محددة بسيطة لا تتصرف دوما بطريقة منتظمة يمكن التنبؤ بها وقد اطلق على النظرية التي تشتمل على هذا المفهوم الجديد اسم نظرية الفوضى أو الصماء، والمقصود بالصماء هنا ليس الفوضى التي كانت مستحكمة في بدايات الكون وعهوده الأولى قبل أن ينتظم، بل عدم الانتظام والفوضى في المنظومات بشكل عام وفي الزمان والمكان المطلقين أي الأمس واليوم والغد.

وتكشف نظرية الفوضى عن كون غريب بل عالم جديد برمته ورياضيات جديدة من أساسها ونظرة جذرية نحو شذوذ الطبيعة والتواءاتها، ومفاد النظرية ان وراء الفوضى الظاهرة في الكون نظاماً ما محيراً يمكن فهمه بواسطة وسائل حديثة وأدوات جديدة ونظرة جديدة.

حركة هيبريون

لاحظ فريق من علماء الفلك في دراسة على قمر زحل المعروف باسم هيبريون لتفسير حالة الانتظام والفوضى في حركته وبالتالي التوصل الى قانون عام، أنه إذا كان الاتجاه الذي يسير فيه هيبريون يتبدل بصورة منتظمة فإن النقطة التي كانت تظهر على الراسم في الكمبيوتر، كانت تتحرك بانتظام في نمط بسيط، أما إذا كان الاتجاه يتبدل بصورة غير منتظمة، فإن النقطة المتحركة في الراسم كانت تلطخ الورقة في سلسلة من المواقع العشوائية. وقد لاحظ الفريق العلمي ايضاً، ان نمط النقاط يعتمد على الطاقة التي يتحرك بموجبها القمر هيبريون، فبعض أنواع الطاقة تجعل النقاط المتحركة تسلك نمطاً منتظماً على هيئة منحنيات مغلقة اشبه بالجزر في حين ان أنواعاً أخرى من الطاقة تخلف وراءها مناطق لا شكل لها وتزدان بنقاط عشوائية.

والواقع ان هذه القصة لا تقتصر على هيبريون، فالعلماء لاحظوا ان كل منظومة تعتمد تقريباً على القوانين الحتمية تستطيع ان تولد حركة غير منتظمة لا يمكن التنبؤ بها ولذا فالفوضى من هذه الناحية لم تعد حركة خاطئة لا هدف لها، بقدر ما هي سلوك عشوائي ظاهري وذو انتظام داخلي سري. ولو أردنا ان نعطي مثالاً واضحاً على ذلك، فإن أفضل مثال هو عملية مزج الألوان التي تتضمن مقداراً من الانتظام الداخلي السري مهما بدت عشوائية من الناحية الظاهرية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"