فيروس توهم الكتابة

00:50 صباحا
قراءة دقيقتين

علاء الدين محمود

يرى كثير من النقاد أن الكتابة صارت موضة العصر، وذلك لأن ثورة الاتصالات والمعلوماتية وفرت الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي التي يتم التعامل معها والتعايش مع عوالمها عبر فعل الكتابة. ولقد ولّد هذا الأمر عند الناشطين في تلك المنصات الافتراضية رغبة كبيرة في تطوير مستوى الكتابة لديهم، خاصة أن «الكاتب» يبرز دون مدقق أو مراجع لغوي. ولم يقف الأمر عند تحسين مستوى الكتابة فقط؛ بل اجتاحت كثيرين رغبة في ممارسة فعل الكتابة الإبداعية، وانتشرت الصفحات والمجموعات داخل مواقع التواصل الاجتماعي المتخصصة في القصة القصيرة والشعر والشذرات ومختلف أشكال وأنماط الأدب، لكن يصطدم معظم هؤلاء بحقيقة أن منصات الكتابة ليست كافية وحدها لصناعة الإبداع، فتلك المسألة في غاية التعقيد. الكتابة ابنة التعبير عن الذات، ومن الضروري أن تكون هناك مهارات وقدرات لدى الشخص تصقله عبر عملية القراءة والاطلاع.
إن الموهبة والاستعداد الفطري هما بمثابة الأساس الذي يصنع الكاتب، وذلك ربما ما دفع البعض إلى وصف النقاد بأنهم أشخاص فشلوا في أن يصبحوا كتّاباً، وتلك المقولة ربما لا تجد اتفاقاً من الجميع، لكنها في الوقت نفسه تحمل إشارة مهمة، وهي أن الكتابة الإبداعية أمر عصي يصعب الإقدام عليه من دون أن يتسلح صاحبه بالموهبة أولاً، ثم الأدوات التي تتراكم من خلال القراءة  والتجارب.
لقد فتحت منصات التواصل الاجتماعي المجال للجميع، وقد خلق هذا الأمر إرباكاً وفوضى لم يتخلص العالم بعد من آثارهما، وهي تلك المتمثلة في رغبة الجميع في أن يصبحوا روائيين وشعراء وكتاب قصة، كيفما اتفق، والحقيقة أن الوهم قد تسلل إلى كثيرين خاصة مع وجود «متابعين»، هم بالضرورة من غير النقاد المتخصصين.
إن الجمهور المزيف من شأنه أن يصنع نجماً مزيفاً، وبالتالي يصدِّق كاتب التغريدة أو المنشور أنه قد أصبح بالفعل مبدعاً، وهذا الأمر بالطبع، لم يكن يحدث في الماضي بهذه الكيفية، حيث كان الشخص يرسل المقالة أو القصيدة أو المادة السردية إلى الصحف، ويتم تقييم العمل، فإن كان غير صالح للنشر، ولا تتوفر فيه شروط الكتابة الإبداعية، يتم إخبار مرسله بذلك. وبالتالي فإن الصحف كانت تشكل، عبر رقابتها، ترياقاً ضد انتشار الكتّاب غير المبدعين، وضد تفشي «فيروس» الادعاء الذي تكمن خطورته في كونه سريع العدوى، وبالتالي يتكاثر ضحاياه من الموهومين، لكن الأمر أصبح مختلفاً اليوم، حيث لا يوجد رقيب، وبالتالي يتعاظم الوهم عند كثيرين، ممن يقومون بجمع موادهم الكتابية تلك ليرسلوها إلى دور النشر من أجل أن تصبح كتباً ومؤلفات في مختلف أنواع الإبداع، لكن المؤسف في هذه العملية أن دور النشر تستقبل بحفاوة كثيراً من تلك الكتابات وتقوم بطباعتها ونشرها بالفعل.
هناك الآن كُتاب، دون أية موهبة حقيقية، وسادت الركاكة، وشوّش المزيفون على المشهد الإبداعي، لكن ربما لن تستمر هذه الظاهرة كثيراً؛ لأنها ليست أصيلة، وستختفي بنهاية الملابسات التي أنتجتها.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yysq9scs