سياسة العناد والتحدي

00:54 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

لم يبدأها بالعنبر ولن يختمها بالمسك. دونالد ترامب الذي حلم بالجلوس على عرش العالم وليس أمريكا فقط لفترة ثانية، لن يهادن ولن يستسلم بسهولة، ومن يتوقع غير ذلك فهو لا يعرف شيئاً عن شاغل الدنيا خلال السنوات الماضية، فالعناد هويته والتحدي عنوان شخصيته منذ أعلن ترشحه للانتخابات التمهيدية «الرئاسية» عن الحزب الجمهوري عام 2016، وليس حتى اليوم فقط، بل الغد القريب والبعيد وما بعد بعد الغد. 

العالم كله في وادٍ وترامب ومناصروه في وادٍ آخر. معظم السياسيين في مختلف بلاد الدنيا هنأوا بايدن ويترقبون دخوله البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني ويحاولون استقراء مستقبل مواقفه وسياساته تجاه دولهم، والمحللون ينشغلون ليل نهار بحثاً في اتجاهات السياسة الخارجية للرئيس المنتخب، ويبحثون إذا ما كان سيسير على نهج أوباما أم سيكون له نهجه المستقل الذي سيوظف فيه خبرة نصف قرن من العمل السياسي، وفي المقابل لا يزال الرئيس ترامب يتهم ويناور ويشكك ويتوعد. 

حديث ترامب عن التزوير سبق إجراء الانتخابات بأشهر، وترافق مع نتائج استطلاعات الرأي التي توقعت خسارته، ومع حديث وسائل الإعلام عن تغيير قادم، ورغم فشل استطلاعات الرأي في انتخابات 2016 والتي جاءت نتائجها معاكسة لرؤى المحللين المخضرمين في العالم، إلا أنهم جميعاً كسبوا الرهان هذه المرة، واستعادوا ثقة الناس، ويبدو أن ترامب أدرك هو الآخر مبكراً هذه النتيجة، فكان دفاعه عن هزيمته استباقياً بتغريدات التشكيك وتوقعات التزوير غير المسبوقة في التاريخ الأمريكي، وهي التوقعات التي لم يتبنَّها سوى ترامب وأعضاء حملته الانتخابية؛ لذا كان من الطبيعي أن يخرج خلال الأسبوع الماضي كل عدة ساعات بتغريدة تكرر اتهاماته بسرقة الانتخابات والتزوير وادعاء الفوز وتوزيع اللعنات، خصوصاً بعد أن بدأ القضاء يتخلى عنه وأسقط 9 دعاوى استغاثة له في عدة ولايات في يوم واحد، ليجد نفسه يُجرَّد تباعاً من أسلحته لمقاومة بايدن. 

 ولأنه رجل عناد وتحدٍّ، فليس مستغرباً التصريح الذي نشرته نيويورك تايمز ونسبته لمسؤول في البيت الأبيض، من أنه سيترشح لانتخابات 2024 ليكون أول رئيس أمريكي يخرج من البيت الأبيض ويسعى للعودة إليه، وليحاول الأخذ بثأره من جو بايدن الذي هزمه وهو الذي كان يعتقد أنه «الرئيس الذي لا يهزم». 

خسارة ترامب كان يتوقعها الكثيرون وينتظرها الأكثر، فقد كانت إنجازاته محدودة وإخفاقاته كثيرة، ولكنه كان عالي الصوت مثيراً للضجيج وخالقاً للمشاكل والاضطرابات داخلياً وخارجياً، وإنجازاته الداخلية لا تتجاوز خفض معدل البطالة وزيادة الأجور، وهو الإنجاز الذي سرعان ما قضى عليه وباء «كورونا»، وحوّلته أعداد المصابين والوفيات إلى سراب؛ أما خارجياً فقد فشل في انتزاع اتفاق مع كوريا الشمالية (لم تهنئ بايدن)، رغم أنه بشر بذلك مراراً وبذل لأجله جهوداً كبيرة، كما فشل في فرض اتفاق نووي جديد مع إيران يعدل خطايا اتفاق أوباما، وخاض معارك تجارية وسياسية وإلكترونية مع الصين ودول في جهات الأرض الأربع، ولَمْ يحقق الإنجاز المأمول من ورائها، وقاطع منظمات دولية ونبذ الحلفاء التاريخيين، وغير ذلك من الأفعال والقرارات التي كادت أن تحوّل الدولة الكبيرة إلى مجرد رقم. 

ترامب لن يتوقف عن محاولات هدم المعبد على الجميع، ولن يكون هناك مجنيٌّ عليه من أفعاله سوى شخصه وحزبه الذي يعاني انقساماً بعد إعلان فوز بايدن، ولن يشغل ترامب أنّ في كلامه وأفعاله تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وإساءة إلى سمعة الولايات المتحدة، كما قال مستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون، وهو لا يدرك أن ما يحدث قد يسيء إلى أمريكا بعض الوقت، ولكنه سيسيء لها كل الوقت، وسيضعه التاريخ في مكانة تختلف عن المكانة التي يضع فيها رؤساء أمريكا السابقين.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"