نثر الشعراء

00:33 صباحا
قراءة 3 دقائق

لطالما أحب الكثير من القرّاء نثر الشعراء أكثر من إعجابهم بقصائدهم أو بعضها لما يحمله هذا النثر من طاقة شعرية وطاقة نثرية كما لو أن النثر الصافي الذي يكتبه الشعراء هو مادة أدبية مركّبة من طاقتين جماليتين يعرف كنههما جيداً الشعراء الكبار، شعراء النثر الكبير، إن جازت العبارة، أولئك الذين يحوّلون الكلام إلى لهب وردي خفيف، ويجعلون اللغة بستان فاكهة.
هل خطر ببالك الآن أحد هؤلاء الشعراء، وأنت تقرأ هذه الكلمات التي تحتفي بنثر الشعراء؟ كان نزار قباني ناثراً كبيراً ولا تقل أهمية نثره عن أهمية شعره، لا بل هناك من يقدم قباني الناثر على قباني الشاعر الذي لعب على وتر حسّي «انتهازي» كما يرى بعض النقاد العرب، فأغرق القارئ العربي في فترة نفسية معينة، الستينات والسبعينات بشكل خاص، بشعر يلاعب هواه الوجداني والسياسي من دون أن يذهب هذا الشعر إلى روحه وعقله.
محمود درويش ناثر من طراز رفيع أيضاً، وكذلك نثر أنسي الحاج، وبلند الحيدري، ومحمد القيسي، وممدوح عدوان، وغيرهم من شعراء اقتربنا من نثرهم أكثر مما اقتربنا من أشعارهم أو بعض أشعارهم.
من شعراء النثر الشفاف أيضاً يحضر مريد البرغوثي في كتابه الأنيق: «ولدتُ هناك، ولدت هنا» الذي يقع في تجنيس السيرة، وممّا يجيء في الكتاب وصفه للقهوة. يقول: «القهوة كالورد، فالورد يقدّمه لك سواك، ولا أحد يقدم ورداً لنفسه، وإن أعددتها لنفسك فأنت لحظتها في عزلة حرة بلا عاشق أو عزيز، غريب في مكانك».
يمضي صاحب «رنّة الإبرة» في وصف القهوة بنثر كالشعر، أو أنه الشعر، ولكن لهذا النثر سلطة استقلاليته وانحيازه إلى ذاته كجنس أدبي قائم بذاته وفي ذاته من دون جواذب واستقطابات الشعر.
من شعراء كتابة النثر أيضاً يحضر الشاعر التشيلي بابلو نيرودآ في كتابه المذهل «اعترف بأنني قد عشت» وقد نقله إلى العربية في ترجمة رائعة د. محمود صبح، ولعل الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان «الشاب القروي» هو أجمل فصول هذا الكتاب الذي يراوح بين السيرة والمذكرات.
يقول نيرودا في نثره الناصّع البياض مثل ثلج بكر «في كل وليمة كان ثمة إوز مع كرفس، خرفان مشوية على السفود وحليب مخثّر مُثَلّج في نهاية الأكل. منذ كثير من السنوات لم أتذوّق طعم الحليب المخثر المثلج».
أيكون الشعراء من هذه البوابة بالذات، أي بوابة النثر، جاؤوا إلى الرواية؟ الجواب السريع: لا؛ فنثر الشعراء حين يكون سيرة ويوميات ومذكرات، يختلف تماماً عن النثر الذي يحوّله الشعراء إلى سرد روائي، وإن أمكن القول كأن نثر المذكرات «نثر صغير»، في حين أن نثر الرواية «نثر كبير». 
في النثر الأول الصغير كما لو أن الشاعر يناجي نفسه ويتوسّلها بأن تكون عالمه وحارسته، وفي النثر الثاني الكبير كما لو أن الشاعر الروائي يأخذ في الكتابة أدوار الباحث، والمؤرخ، والجغرافي في الحدود التي يسمح بها هذا النوع من الكتابة.
بقيت فكرة صغيرة تتصل بما يُسمّى: «التفريغ» و«الشحن»: تفريغ القليل من طاقة الشاعر، وشحن النثر بهذه الطاقة القليلة في كتابة اليوميات والمذكرات والاعترافات؛ حيث يكون الإنسان أمام مرآة نفسه مباشرة، يكتب بلا عوائق أو مخاوف أو حسابات، حراً، مثل حصانٍ بلا سَرْجٍ أو لجام.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"