حدّاؤو الخيول وصانعو أسنان الذهب

00:24 صباحا
قراءة دقيقتين

غداً، الثامن من إبريل، وبحسب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي هو اليوم العالمي للغجر، الشعب المقيم في الرياح. والإقامة في الرياح ليست عبارة مجازية أدبية بلاغية فقط، بل هي حقيقة هذا الشعب الذي يدرّب أبناءه مبكراً على قراءة الحظ بالضرب في الرمل والحجارة. وفي طفولتي الأولى كنت أرى أشخاصاً غرباء يحلّون ويرحلون سريعاً في ديارنا، وكانت النسوة الغجريات بارعات في تركيب أسنان الذهب للقرويات الشابات المقبلات على الزواج.
يعمل الغجر أحياناً في حذو الخيول، ويستطيع الغجري أن يعمل في أي شيء إلاّ الفلاحة والزرع اللذين يحتاجان إلى الاستقرار، والغجري لا يعرف الاستقرار، إنه متجوّل أبدي في الرياح وفي الأرض. وفي منطقة بلاد الشام يسكن الغجر في خيام فقيرة مهلهلة بعيداً عن الأحياء السكنية المأهولة.
تُضرَب خيام الغجر على حواف المدن أو القرى، والمرأة الغجرية ترتدي الثياب البسيطة الفقيرة ولكنها دائماً ملوّنة، وحين كتب نزار قباني قصيدة «قارئة الفنجان» اشتهر في هذه القصيدة مقطع صغير يقول: «والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا»، وبعد القصيدة راحت بعض النسوة الساذجات مثل القصيدة يبحث في مصادر الموضة وتسريحات الشعر عن ذلك الشعر الغجري المجنون الذي أشار إليه الشاعر، في حين أنه لا يوجد شعر غجري مجنون، بل قليلاً ما تهتم المرأة الغجرية بمظهرها وشعرها.
بعيداً عن كل هذه التداعيات، هنا سؤالان بالمناسبة: هل يوجد للغجر شعراء وثقافة وسرديات روائية وقصصية وأعمال فنية، وموسيقية؟ هل للغجر ثقافة باختصار شديد؟
نعم لهم ثقافة ولكنها مثلهم تقيم في الرياح. ثقافة متنقّلة غير مستقرة. هناك موسيقات وغنائيات للغجر ولكنها ليست محددّة أو موثقة أو مؤرشفة.
هل للغجر شعراء؟ هنا نموذجان من شعر الغجر الأول للشاعر الغجري لايوس رافي، مواليد 1970 رومانيا، ترجمة عبد الستار نور علي. يقول رافي: «أُصلّي من أجل الأرض صلاة صامتة/.. دع الصخور تبقى، لكي تتحوّل إلى رمار وغبار.. إلى رماد».
عند الغجر شاعر آخر هو ألكسندر رومانس، مواليد العام 1951 فرنسا، ويخبرنا وليد السويركي الذي نقل شعره إلى العربية أنه كان مروّض أسود في شبابه، ومن شعره هذا المقطع: «قسمت العالم إلى نصفين/ من جهة هناك ما هو شعري/ وفي الجهة الأخرى ما ليس كذلك/ ما هو شعري موجود في نظري/ وما ليس شعري لا ألتفت إليه حتى».
الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل «عرار» في مجموعته «عشيّات وادي اليابس» يكتب بإنسانية شفافة عن الغجر، ويتعاطف مع بؤسهم الوجودي إذا كانوا يشعرون بهذا البؤس أو أنه قضيتهم، أما الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين فقد وضع كتاباً بعنوان «الغجر» نقله إلى العربية رفعت سلّام، أما لوركا فقد كان حبيب الغجر، وعاش مثلهم في الرياح، وصعد معهم إلى الأندلس، وحين مات في الفجر، ظل الغجر يبكون عليه حتى المساء.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"