عادي

«قواعد العشق الأربعون».. الطمأنينة في محبة الخالق

22:59 مساء
قراءة 4 دقائق
2

الشارقة: علاء الدين محمود

تحلق رواية «قواعد العشق الأربعون»، للكاتبة أليف شافاك بالشعور الروحي إلى درجات عالية من المحبة بحيث تجعل القارئ يسبح في أمواج من الفيض النوراني، أو يحلق في سماء من مدد المعارف، فالعشق الذي يتحدث عنه عنوان الرواية، ليس هو ذلك الذي يحدث بين بني البشر، ليس الهوى الذي يتغنى به المطربون في ليالي السمر، بل هو الحب الإلهي، ذلك الجذب الذي يشعر به الإنسان المؤمن الموحد، فتتبدل أحواله وأفعاله، ويترك كل ملذات الدنيا ويسير مسافراً نحو المحبوب، زاهداً وعابداً متبتلاً في محرابه، يبتعد عن كل الناس، وينشد حياة العزلة والخلوة، لأنه يكون حينها بقرب من يحب، يناجيه بالشعر والدعاء وعذب الكلمات.

تصنع الرواية حالة غريبة من الألق الروحي، والراحة النفسية، وعوالم من الخير والجمال، لكنها في الوقت ذاته تثير أسئلة تدور حول نوع مختلف من المعرفة، تلك التي تحدث بالبصيرة لا البصر، والإحساس لا الوقائع المادية، عبر حكايات عن شخوص هي نفسها مختلفة، وذلك من خلال حكاية الدرويش العاشق شمس الدين التبريزي، واضع قواعد العشق الأربعين، وتلميذه القطب الصوفي وسلطان العاشقين، جلال الدين الرومي، اللذين عاشا في القرن السابع الهجري، هذه العلاقة العجيبة الغريبة التي لا يزال الناس ينهلون من دفقها العذب، فالأستاذ التبريزي، يؤثر في التلميذ الرومي، ويقلبه من حال إلى آخر مختلف، بحيث جعل منه عاشقاً صوفياً مبتهلاً إلى الله تعالى وداعية محبة له باعتدال لا يعرف التشدد، لقد استطاع التبريزي أن يعصف بحياة الرومي تماماً، ليتحول إلى شاعر تسافر كلماته لتعبر البحور والقارات وتنثر عطرها وشذاها بين الناس في كل مكان، ويكون لرسالة المحبة التي حملتها تلك القصائد، الفضل في تغيير مصير الكثيرين ممن كانوا تحت وطأة الرذائل والمعاصي، وهدايتهم إلى طريق الله تعالى، فقد تركت أشعاره ومؤلفاته الصوفية، تأثيراً واسعاً في العالم الإسلامي وخاصة، وفي العصر الحديث ترجمت بعض أعماله إلى كثير من لغات العالم ولقيت صدًى واسعاً جداً، إذ وصفته البي بي سي سنة 2007م بأكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة.

والرواية تحكي عن تلك الرحلة العجيبة للتبريزي، التي امتدت من سمرقند وبغداد، إلى قونية التركية، مروراً بدمشق، حتى لقي حتفه على يد قاتل مأجور، لكن الحكايات والحكم والخبرات التي تراكمت عند التبريزي قام بنقلها إلى الرومي، الذي تأثر بها كثيراً وكانت خير زاد له في طريق المحبة الخالصة.

اللقاء بين زمنين

العمل يعتمد في تقنياته الفائقة، على طريقة في الحكي هي الأخرى مستوحاة من الأساليب الصوفية، حيث تعتمد على الطريقة الدائرية في السرد، وعقد المقاربات والمقارنات، فالرواية هي حكاية داخل حكاية، تحكي عن قصتين، وتمتد عبر فضاءين، أو خطين زمنيين، الأول يدور في العصر الحديث، ويحكي عن الأحداث التي تمر بها «إيلا»، تلك السيدة الأمريكية الأربعينية التي تعيش حياة تعاني فيها من الرتابة، في كنف زوجها طبيب الأسنان المشهور، أما الخط الزمني الثاني فيقع في القرن الثالث عشر الميلادي، حيث قصة اللقاء العجيب بين الشيخ جلال الدين الروميّ والصوفيّ شمس الدين التبريزي، تلك القصة التي تصبح ملهمة ل«إيلا»، الأمريكية التي تعيش في زمن سيادة ثقافة الاستهلاك والتشظي، لكن حياة إيلا تتغير تماماً، حيث تنقلب فجأة فتحدث تحولات كبيرة في مسار حياتها الأسرية والزوجية، وتبدأ مراجعة شاملة لطريقة عيشها بطريقة تقترب فيها من شخصية الرومي وتتمثلها، فقد هامت في عوالم أشعاره ورسالته في الحياة، لتتحول من مجرد امرأة تعيش حياة مملة إلى عاشقة وداعية محبة على طريقة الرومي، فالصورة الأجمل التي تحملها الرواية، ضمن صورها ومشاهدها المتعددة، هي لحظة التقاء الزمن الماضي بالحاضر عبر قصتين يفصل بينهما جدار زمني سميك، ولكنهما التقيا في طريق العشق والمحبة الإلهية.

رسائل ومعانٍ

«قواعد العشق الأربعون»، احتوت على رسائل فلسفية وفكرية وموقف من الحياة، فهي تعمل على التنوير الأخلاقي والقيمي، من أجل إحداث مواجهة جمالية مع الكراهية والتطرف، عبر استعادة مثال أخلاقي يتمثل في قصة التبريزي والرومي، حيث سارا على درب المحبة، ودعيا الناس إلى التمسك بطريق الله تعالى، وجعلا من نفسيهما مثالاً يحتذى، عندما تركا حياة الملذات والماديات وتوجها في رحلة طويلة وقاسية زادها الزهد والحب والتقرب إلى رب العالمين. 

إسقاط

 برعت الكاتبة في إسقاط زمان جلال الدين الرومي، على عصرنا الراهن الذي تسود فيه الحروب والكراهية، فالرواية هي محاولة لإعادة صياغة الإنسان، وترميم زيف العالم الحديث، الذي، برغم التطور التكنولوجي، هو واقع تحت ثقل النزاعات السياسية والصراعات الأيديولوجية والفكرية، وانتشار التشدد والتعصب وتسود الكراهية والعنف والحروب والخوف والقلق، بدلاً عن المحبة والطمأنينة والتسامح والسلام ومعرفة ثقافة الآخر، فالرواية دعوة روحانية شاملة، أو كما أسمتها المؤلفة، ترنيمة جماعية من أجل النفس، وقهرها في نهاية الأمر، كما فعل جلال الدين الرومي قبل 800 عام.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yztrzc3y