نهاية خريف «الإخوان»

00:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

في العام 2009، كانت زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إلى القاهرة، إشارة انطلاق ما سمي ب«الربيع العربي» وبمشروع «الإسلام والديمقراطية»، الذي كان يهدف أساساً إلى استيعاب حركات الإسلام السياسي. وتمّ بالفعل تصعيدهم بعد العام 2011، ليقبضوا على مفاصل السلطة في أكثر من دولة عربيّة، وليعيدوا تلك الدول إلى «القرون الوسطى».
 وفي العام 2021، يزور الرئيس التونسي قيس سعيد القاهرة، ليجد احتفالاً غير مسبوق من قبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وليتم الإعلان عن توافق كلي للرؤى بين الرئيسين في كل القضايا التي تمّت إثارتها. 
 ومن يقرأ تفاصيل تصريحات الرئيسين بعد لقاء القمة بينهما، فسيدرك أنّ الرئيس التونسي قيس سعيد أراد أن يعلن من القاهرة عن نهاية مشروع الإسلام السياسي، ونهاية «خريف الإخوان» الذي ما زال يتمترس وراء حصن التوافق في تونس، التي كانت الدولة الأولى التي انقضّت عليها جماعة «الإخوان».
 قراءة زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد، لا تحمل في طياتها سوى ملف مركزي واحد بانت تفاصيله في تصريحات الرئيسين. وكلمة السرّ هي إنهاء مرحلة حكم الإسلاميين، أو الأحزاب التي توظف الدين لخدمة غاياتها السياسية.
 ومن الواضح أن تونس هي المعقل الأخير لحكم جماعة «الإخوان». ومن المهم هنا الإشارة إلى ما قاله الرئيس السيسي عن «ضرورة تجفيف منابع الإرهاب وكل تنظيماته من دون استثناء». هذه الجملة هي الإعلان الرسمي عن نهاية خريف «الإخوان».
فمفهوم «تجفيف المنابع» كان استراتيجية الدول العربية قبل العام 2011، وكانت جماعة «الإخوان» مشمولة بهذه الاستراتيجية، أما بعد 2011، فإن مصر صنفت جماعة «الإخوان» جماعة إرهابية، وعليه فإنّ اتفاق الطرفين على صيغة «كلّ تنظيمات الإرهاب دون استثناء»، يعني دخول تونس محور نزع الإسلاميين من السلطة. ولذلك سيكون الوضع في تونس، بعد زيارة سعيد إلى مصر غير ما كان الوضع عليه من قبل. خاصّة أنّ قوى سياسية تونسية كثيرة تشترك في معارضة حكم «الإخوان».
 الرئيس سعيد وقبل زيارته لمصر صرّح في أكثر من مرّة بأنه يمتلك كل الملفات عن الفاسدين والذين أثروا بطرق مختلفة، وعن الذين يتآمرون صباحَ مساءَ على الدولة. والثابت أنّ المستقبل القريب سيشهد تطورات متسارعة لإنهاء حكم الإسلاميين في تونس، وبالتالي طيّ صفحتهم بعد أن سقطت رايتهم في مصر، وفي سوريا، وفي ليبيا.
 النقطة المركزية الثانية في لقاء السيسي وسعيد، هي الاتفاق على «مواجهة التدخلات في شؤون دول المنطقة»، والطرف المستهدف من ذلك هو كل أجنبي يتدخل في الشؤون العربية، أو يدعم جماعة «الإخوان» في المنطقة. 
 زيارة سعيد إلى القاهرة ونتائجها والمواقف التي أطلقت خلالها تعتبر رسالة قوية بأن المنطقة تتغير وأن قواعد اللعبة لم تعد كما كانت في السابق، فحتى تونس التي رهنها «الإخوان» منذ العام 2011، ها هي بقيادة قيس سعيد تتجه شرقاً إلى الحضن العربي، حيث تشير المعلومات أن سعيد سيزور في قادم الأيام السعودية والإمارات، وربّما دمشق في مرحلة لاحقة، لا سيما أن الرئيس التونسي هو إلى الآن رئيس القمة العربية الثلاثين، ويمكنه أن يقود مبادرات صلح تعيد العمل العربي المشترك إلى مستوياته ما قبل العام 2011.
 النقطة المفصلية الثالثة في لقاء الرئيسين السيسي وسعيد هي التأكيد على أنه توجد «الكثير من المخاطر التي يجب التصدي إليها، وبذل الكثير من الجهود للحفاظ على مؤسسات الدول». وهذه النقطة رئيسية في كل خطابات الرئيس التونسي، داخلياً، حيث يشير إلى القوى التي تعادي الدولة ولا تعترف بها، وهي القوى المشتقة من الإسلام السياسي.
 وعليه يمكننا القول إنه كما كانت القاهرة هي مرجعية «الإسلام والديمقراطية» في المنطقة، ستكون القاهرة هي بداية تعافي الدولة الوطنية من تجربة حكم فاشلة ومدمّرة للدول قادتها جماعة «الإخوان». وهذه رسالة ليست للداخل العربي فقط، الذي يريد أن يلفظ وإلى الأبد هذه الجماعة، بل إلى القوى الغربية أساساً التي احتضنت وموّلت وراهنت على الإسلام السياسي منذ زيارة باراك أوباما إلى القاهرة.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yzbkog7c