اختبار المئة يوم

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاصم عبد الخالق

لم يحقق الرئيس الأمريكي جو بايدن معجزة في المئة يوم الأولى من رئاسته، ولم يكن مطلوباً أو متوقعاً منه أن يفعل ذلك. إلا أنه أنجز كل أو معظم ما وعد به خلال تلك الفترة الزمنية التي تحولت إلى مرحلة اختبار أولية لأي رئيس أمريكي لقياس قدرته على إنجاز مجموعة أهداف يحددها بنفسه خلال الحملة الانتخابية. وإذا كان خصومه الجمهوريون يصّرون على وصف رئاسته بالكارثة، فإن الحسابات المحايدة توضح أن الرئيس الديمقراطي اجتاز بنجاح اختبار المئة يوم، ونفذ كل ما وعد به، بل تجاوزه في بعض القضايا.

 يدرك الأمريكيون هذه الحقيقة وهو ما توضحه استطلاعات الرأي وأحدثها أجرته «واشنطن بوست» مع شبكة «إيه بي سي» الأسبوع الماضي قبل انتهاء شهر العسل السياسي بأيام، وأظهر أن 64% يؤيدون سياسة بايدن لعلاج أزمة كورونا وأن 65% يؤيدون خطته للإنقاذ الاقتصادي.

 ويمثل الإنجاز الذي حققه بايدن على صعيد مواجهة الوباء مصدر فخره الحقيقي، إذ أنجز وعده بتطعيم 100 مليون مواطن خلال أول مئة يوم له في السلطة، بل تجاوز الرقم المستهدف، وأكملت إداراته تطعيم هذا العدد في منتصف مارس (آذار) الماضي أي قبل نحو 40 يوماً من نهاية المهلة المحددة. وبحلول 21 أبريل(نيسان)، أي قبل أسبوع من المهلة، وصل الرقم إلى 200 مليون تطعيم.

 على نفس الصعيد طرح خطة الإنقاذ الكبرى بقيمة 1,9 تريليون دولار لمواجهة التداعيات الاقتصادية للجائحة. وكشف عن خطة أخرى بقيمة تريليوني دولار لتطوير البنية التحتية وآثار التغييرات المناخية، وخطة ثالثة للتعليم ورعاية الأطفال.

 ويعتبر مؤيدوه أن إنجازه الحقيقي هو الانقلاب على سياسات سلفه دونالد ترامب ونقضها، سواء على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية، أو نمط الأداء البعيد عن حالة الصخب والتوتر الذي افتعلها ترامب وأحاط بها نفسه، وأرهق بها بلاده والعالم.

 أعاد بايدن الدفء إلى العلاقات مع الحلفاء لاسيما في أوروبا، ورسالته للعالم منذ اليوم الأول كانت واضحة، وتفيد بأن أمريكا عادت لتقود ولن تنكفئ على نفسها وستتحمل كل مسؤوليات وأعباء الزعامة العالمية. يريد بايدن أن يعيد تشكيل بلاده والعالم مرة أخرى من خلال خطة هادئة تتكشف ملامحها رويداً مع الأيام، وقد أطلق عليها معهد بروكنجز البحثي الشهير في واشنطن اسم «مبدأ بايدن».

 الملامح الأساسية للخطة يستشفها المعهد من «دليل استراتيجية الأمن القومي المؤقت» وهي وثيقة تمهيدية لاستراتيجية الأمن القومي أصدرتها الإدارة الحالية لحين الانتهاء من إعداد الوثيقة الأشمل. في هذا الدليل تركز الإدارة عن محورين؛ الأول: هو السعي لتحقيق المصالح الأمريكية دولياً عبر تحرك أكثر ذكاء وحنكة وتهذيباً، مع الاستخدام المسؤول للقوة العسكرية، وإعطاء الدبلوماسية مساحة أكبر كخيار أول.

 المحور الثاني هو الإقرار بأنه في زمن الأزمات المتعددة الأطراف والمتشابكة مثل كورونا، يحب أن يستند الأداء الدولي لأمريكا إلى قاعدة داخلية صلبة، فضلاً عن تسخير وتكريس أهداف وأدوات السياسة الخارجية لتحقيق رفاهية المواطن الأمريكي كهدف نهائي.

 ليس في كل ذلك ما يثير القلق. ولكن هل يكون هذا التوجه المعتدل في التعامل مع قضايا الداخل والخارج حالة مؤقتة، تستمر خلال رئاسة بايدن بحكم توجهاته الليبرالية المعتدلة، ثم تعود السياسة الخارجية الأمريكية إلى سيرتها الأولى التي كانت عليها خلال حكم ترامب بكل صخبها وعنفوانها وجموحها وتشددها؟

 وبصيغة أخرى، هل يعني فوز بايدن عودة السياسة الخارجية الأمريكية إلى نمطها التقليدي والطبيعي كما عرفه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أم أن تلك الفترة الرئاسية هي استثناء أو استراحة مؤقتة لمسار تاريخي جديد، يجرف أمريكا نحو مزيد من العزلة والتشدد القومي على نحو ما فعل ترامب؟ الإجابة سيعرفها العالم في الانتخابات الرئاسية المقبلة بعد أربع سنوات.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"