عادي

عبد الرحمن الخازن.. العالم الزاهد

شمس الحضارة الإسلامية
00:29 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.
ولد ‏أبوالفتح عبد الرحمن المنصور، ويطلق عليه في معظم الأحيان، الخازن وفي بعض الأحيان الخازني، في النصف الأول من القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي في (مرو) أشهر مدن إقليم خراسان، ونشأ بها وتعلم ودرس فيها على أيدي علمائها الميكانيكا والفيزياء والفلك، ونشأ الخازن نشأة علمية وتضلع بالعلوم، بعدها احترف الرياضيات كمهنة له في عهد حكم السلطان أحمد سانجار. لا يعرف سوى القليل عن حياته، ولكنه كان يعرف عنه أنه كان يرفض المكافآت المالية وقام بإعادة مبلغ ألف دينار أرسلت له كهدية؛ وأنه كان يعيش عادة على مبلغ 3 دنانير في السنة وشهد له الناس بالتقوى والورع وكان زاهداً في متاع الدنيا.
أبدع عبد الرحمن الخازن في الرياضيات خاصة الاستاتيكا، وفي الفيزياء خاصة الهيدروستاتيكا، وفى الفلك وكان له إنجازات ومبتكرات واختراعات وضعته في مصاف كبار العلماء، فبحث الخازن في طرق تحديد كثافة الأجسام الصلبة والسوائل وكذلك الأوزان النوعية للأجسام، كما أنه قدر الكثافة لكثير من العناصر والمركبات بدرجة عظيمة من الدقة، وتوسع في تطبيق قاعدة أرشميدس الخاصة بالأجسام المغمورة في السوائل، إذ وجدها تنطبق أيضا على الغازات أي الأجسام المغمورة في الغازات.
ومهد الخازن الطريق للعالم الإيطالي جاليليو في القرن السادس عشر الميلادي لاختراع مقياس الحرارة «ترمومتر»، وذلك بابتكاره مقياساً للكثافة يقيس كثافة الهواء والغازات، وهو تقريباً الإيروميتر ومن المعروف أن مقدار الكثافة يتوقف على درجة الحرارة ولذلك استعمل الخازن مقياسه هذا في تقدير درجات السوائل، إضافة إلى قياس الكثافة.
وأجرى تجارب لتحقيق قاعدة الطفو والاستفادة منها تطبيقياً وبحث في مقادير الأجزاء المغمورة من الأجسام الطافية على سطوح السوائل، ومهدت نتائج هذه التجارب إلى اختراع الباروميتر ومفرغات الهواء والمضخات المستعملة لرفع المياه، وبين أن للهواء وزناً وقوة رافعة كالسوائل وأن وزن الجسم المغمور في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي، ويتوقف هذا على كثافة الهواء. وهكذا يكون الخازن سبق العالم الإيطالي تورشيللي في بحث كتلة الهواء وضغطه على الأسطح والأجسام. وإن كان الغربيون يعتقدون أن تورشيللي الذي جاء بعد الخازن بخمسة قرون هو أول من قام بذلك. وهذه ليست هي المرة الأولى التي ينتحل فيها الغرب لنفسه مكتشفات وأفكار وابتكارات علماء المسلمين أو ينسبونها لأنفسهم أو تنسب إليهم.
واستكمل الخازن بحوث العالم المسلم البيروني في الجاذبية الأرضية، فأوضح في مؤلفاته أن الأجسام تتجه في سقوطها إلى الأرض، وهذا ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام في اتجاه مركز الأرض ويرى أن اختلاف قوة الجذب يتوقف على المسافة بين الجسم وبين المركز المتجه إليه وهذه هي العلاقة التي تنص عليها قوانين ومعادلات جاليليو ونيوتن في القرن السابع عشر الميلادي. كما بحث الخازن في مراكز ثقل الأجسام المختلفة وتحديدها وتوصل إلى بيان طبيعة عمل الروافع وبعض الآلات وكيفية الانتفاع بها. واخترع ميزاناً بخمس كفّات استطاع به التحقق من الأحجار الكريمة الأصلية وهو الميزان الذي استعمله لوزن الأجسام في الهواء وفى الماء. وأجرى الخازن تجارب في مجال الأنابيب الشعرية ذات الفتحة الواحدة كما أجرى أرصاداً لمواقع بعض النجوم وصفها العلماء من بعده بأنها أرصاد دقيقة جداً وبحث في أدوار توافق الحركات المعتبرة وإن كان الوصول إلى مثلها غامضاً جداً لكثرة الحسابات فيها.
ومن أشهر مؤلفات الخازن كتابان، أحدهما في الفيزياء وهو «ميزان الحكمة»، والآخر فى الفلك وهو «الزيج المعتبر السنجري».
ويذكر د. عبد الحليم منتصر في كتابه «تاريخ العلم» أن «ميزان الحكمة» ترجم إلى اللغات الأجنبية، لكنه لم يذكر أي بيانات عن هذه الترجمات. وأما «الزيج المعتبر السنجري» ألفه الخازن بطلب من السلطان سنجر ووضع فيه نتائج أرصاده التي أجراها فى عام 509ه إضافة إلى أرصاد أخرى وهي أرصاد في منتهى الدقة بقيت مرجعاً للفلكيين مدة طويلة. وقيل إن الخازن وضع هذا الزيج في زمن الخليفة المسترشد بالله. وذكر عدد من المراجع أن الخازن أنشأ «جداول مرو» في عام 520ه تقريباً على أساس أرصاد أجريت قبل ذلك بعشرة أعوام. وله أيضاً كتاب «الفجر والشفق» الذي بين فيه وقت بلوغ الشمس 19 درجة تحت الأفق. وله أيضاً كتاب «الآلات العجيبة الرصدية».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"