عادي

تحية إلى سلطان الثقافة

00:02 صباحا
قراءة 4 دقائق
يوسف الحسن

د. يوسف الحسن

** وديع ومتواضع، يتقي الله ويخشاه، نقي السريرة، وصاحب روح مفعمة بالخير العام، يقبض على بوصلة فكرية وأخلاقية ووطنية لا تعرف البطالة ولا اليأس.

** عرفته منذ أكثر من خمسة عقود، وتعلمت من نبله ووفائه وقيمه العالية وغيرته العروبية والوطنية الكثير.

** في عام هزيمة 1967 جمعتنا أحزان حزيران، ومحبة مصر، وقامت بيننا علاقة وجدانية متبادلة، ومودة القلب، وصفاء العقل، ووحدة الهموم العربية، ومشروعه الثقافي والتربوي دائم التدفق، وخطابه الدافئ، بمرجعيته الإسلامية الإنسانية.

** راهن على سلامة مشروعه البحثي والثقافي والفكري، وعلى نبل حلمه بتنشئة جبل واعٍ قابض على لغته العربية، وعقيدته السمحة الإنسانية التي جاءت رحمة للعالمين، ومنفتح على أخذ الحكمة من أي وعاء جاءت.

** سكنت الثقافة والتعليم، وإعادة كتابة التاريخ، وإعلاء شأن الانتماء والهوية العربية، عقله وانشغالاته الأساسية، ونأى بنفسه عن أوحال السياسة وأشواكها ومثالبها، وواجه بشجاعة أجندات مغشوشة تسعى إلى تحويل الشخصية العربية إلى حصى مبعثرة، وهويات فرعية متصارعة وتفريغها من الجوهر لمصلحة الهامش والعابر والهجين والفئوي والعصبوي والنبذ المبتادل.

** المعرفة والثقافة، عند صاحبنا، رهانان ظافران، وقد لمست بداياتهما في أواخر الستينات من القرن الماضي، حينما كان الحلم الأخضر عنده يرشح منه الندى، وكانت الثقافة والسياسة والشعر تلقائية وفطرية وغزيرة في المعاني النبيلة، وتحمل شغفاً بالأرض والوطن الكبير والإنسان، وشوقاً خالصاً لتجاوز التخلف والإحباط.

** وقد اكتشفت، وأنا اقرأ كتابه «سرد الذات»، كم هي راقية هذه العذرية والطهرانية لدى صاحبنا، وهو يتناول سيرة أفراد وأحداث. كان لبعضها وجع وتعب ذو مذاق خاص، لكنه ظل يحرص على اجتراح الرافعات ليوم أخضر، وبيت أكثر دفئاً وتراحماً وتوحداً.

** صهرته نار التجربة العميقة، في الحكم والثقافة، والتأمل الحر في التاريخ، وعمق التكوين النفسي والوطني، فأنتج على مدى خمسة عقود مؤسسات علمية وثقافية، وقدم صورة مشرقة للسلطان المثقف، وسيرة ممتعة وثرية تستحق الاحتذاء، خاصة حينما يكون الإنسان في السلطة ولا ينقطع عن الإبداع والعطاء الثقافي في أزمنة حُمّى المال والكسب السريع والاستهلاك المتغول، والتوهان في ملكوت آخر.

** يزرع صاحبنا كل يوم بذور حِسّ التاريخ عند الأجيال الشابة، ويقدم لها مفاتيح سحرية تفتض الكثير من الأقفال التي أغلقت على حكايا شعبية عربية وخليجية باسلة، وبطولات إنسانية في مقاومة القبح والغلاة والغزاة والقراصنة.

** مسرحيات وأشعار وأفلام ونصب تذكارية، وجسور من القصائد والعطاء والحضور في مدن عربية، أصيب كبرياء كثير منها بجروح بالغة، ويقرع الأجراس أمام أجيال من أطفال العرب وشبابها يخشى عليها من اختلال المعاني والمفاهيم، ومن هجاء الانتماء والهوية العربية، وتلقف أجندات متدثرة بثياب مغشوشة.

** يحرص على مراجعة تاريخ إقليم الخليج العربي، حتى لا نظل نقرأه بشكل أفقي ومختزل، بل نستحضره للتأمل والتدبر، وإنعاش ذاكرة المكان، وتحريك شرايين الانتماء، وتقديس الأوطان وتثمينها عالياً، بدلاً من الاكتفاء باستعمالها كمورد رزق.

** زرت لشبونة البرتغالية، في صيف سابق لعام «كورونا»، ووقفت أمام نصب تذكاري للغازي البرتغالي الهجمي (البوكيرك)، وتداعت إلى الخاطر ما ارتكبه هذا الهمجي من جرائم دموية في خورفكان ومسقط وصحار ومدن عربية أخرى في القرن السادس عشر، وتذكرت حديث صاحبي في أكاديمية برشلونة للعلوم في صيف العام 2014، حينما وقف متحدثاً عن هذه الغزوة الهمجية، مشيراً، بأدب شجاع وبعصارات مركزة إلى «أننا قاتلنا بعضنا بعضاً»، مطالباً باستحضار التاريخ، بعجره وبجره، للوعي بمعانيه ودروسه، ومن أجل أن يكون حافزاً، وليس عبئاً، على بناء مستقبل أفضل.

** وأذكر خطابه المميز، أمام منبر أكاديمي غربي (كندا) وفي حضور ساسة كبار، حينما تحدث بشاعرية وافتخار، وقال «أنا عربي»، وأشار إلى جغرافيا هذا العربي، وحضارته الإسلامية، وما قدمَتْه للحضارة الإنسانية الراهنة.

** ما التقينا، أو تواصلنا عن بعد، إلا نمر على سيرة (بهية) ووفائه ل«أم الدنيا»، ولأعلام كبار عرفهم، وصولاً إلى (أم صابر) رحمها الله، وغيرها من الناس الطيبين، وعن شاعر في أسوان وقف صاحبنا معه حتى تجاوز محنته وتعليمه وصار شاعراً يشار إليه بالبنان.

** كما أذكر تلك المفاجأة، التي لم أكن على دراية بها، حينما كنت أشارك بوفد إماراتي يقوده سموّ الشيخ نهيان بن مبارك في مؤتمر للحوار بين الأديان في أثينا، قبل بضع سنوات، حينما وقف كبير مطارنة أرمينيا، في هذا المؤتمر العالمي ليشيد في خطابه بصاحبنا لدوره الإنساني في إعادة تأهيل وترميم مجمع كنائس «ديرهاغاردتسين» الأثرية في العاصمة الأرمينية، والتي يعود عمرها إلى أكثر من ألف عام، وقد نُصَّ على أهميتها في دستور جمهورية أرمينيا، باعتبارها رمزاً للهوية الوطنية.

** ويشغله دوماً، سؤال التراث، وهو سؤال الصلة التي تربط الحاضر بالماضي، ويرى في أهميته إثراء للوعي الجمعي بذاكرة ثقافية تؤثر في صياغة الهوية، وبالتالي، من الضروري الحرص على حمايته من التهديد أو التهميش.

** كما يبدو مهموماً بمعالجة صحيحة لقراءة التاريخ وتجاوز مساهمات سابقة في إدراكه، وقد كتب وألف فيه بأسلوب الباحث والأديب والمحقق التاريخي.

** وكم هي كثيرة أياديه البيضاء في دعم مؤسسات علمية وأدبية، وإعادة تأهيل أو بناء دور ومراكز للوثائق والمتاحف والمجمعات العلمية في الوطن العربي، وخارجه، وله عشق لا يغالب في قصة الأندلس، وحكايات قرطبة وغرناطة، ومشاريع ثقافية أخرى مفعمة بالنبل السخي، وكتمان ما تقدمه يده اليمنى حتى عن اليد اليسرى.

** أعرف الكثير من ينابيعه النفسية والفكرية، والتي لو حفرت وراءها، ستكتشف قيماً نبيلة، ونخوة تلقائية، وتواضعاً غير متكلف وسريرة نقية، ولساناً عفّاً، وعطاء بلا حدود.

***

صاحبنا ومعلمنا الشيخ سلطان.. نزجيه السلام، ونُقرئه المحبة والوفاء، وندعو له بطول العمر ودوام الصحة والعطاء.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"