النيوليبرالي الأخير

ماكرون وأصول الأزمة السياسية الفرنسية
22:08 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
ستيفانو بالومبارين وبرونو أمابل
* برونو أمـــــابل أســــتاذ الاقتصاد السياسي بجامعة جنيف. يركز في أبحاثه على الرأسمالية المقارنة والاقــتصاد الســـــياسي للمؤسسات والتغيير.
وهو مؤلف لعدد من الكتب منها: الرأسمالية الحديثة (2003)، و«الأزمة الهيكلية والتغيير المؤسسي فــي الرأسمالية الحديثة»، و«الرأسمالية الفرنسية في مرحلة انتقالية» (2017).
* ستيفانو بالومبارين أستاذ مساعد في الاقتصاد في جامعة باريس 8. عمل في الاقتصاد السياسي للأزمة السياسية الإيطالية، وهو مؤلف عدد من الكتب أيضاً.

شهدت فرنسا، أزمات متعددة، تشترك في جزء كبير منها مع القارة الأوروبية. ويحلل هذا الكتاب التطور السياسي على مدار عقود، ويناقش أزمة الأحزاب الحاكمة القديمة، وانتصار إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية لعام 2017، والبرنامج الواسع للإصلاحات المؤسسية النيوليبرالية التي سارع الرئيس الجديد إلى تنفيذها، فضلاً عن إعادة التشكيل السياسي وتعديل التحالفات الاجتماعية، وتشخيص الآفاق المستقبلية للمشروع الأوروبي.

 لماذا من المحتم أن تفشل السياسة الوسطية في فرنسا؟ من هذا السؤال يحلل هذا الكتاب الذي بين أيدينا الأزمة السياسية الفرنسية، التي دخلت أكثر مراحلها حدة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، مع تفكك الكتل الاجتماعية اليسارية واليمينية التقليدية. ونأت الأحزاب الحاكمة بنفسها عن الطبقات العاملة، تاركة وراءها، من ناحية، الحرفيين وأصحاب المتاجر وأصحاب المشاريع الصغيرة بخيبة أمل بسبب ضعف إصلاحات اليمين النيوليبرالي، ومن ناحية أخرى، العمال والموظفين المعادين للنيوليبراليين والتوجه المؤيد للاندماج مع أوروبا من جهة الحزب الاشتراكي.

 ولم تكن رئاسة فرانسوا هولاند شذوذاً بقدر ما كانت الفشل النهائي لمحاولات التوفيق بين القاعدة الاجتماعية لليسار، وما يسمى ب «تحديث» النموذج الفرنسي. فلم يمت المشروع القائم على السعي وراء الإصلاحات النيوليبرالية، بفشل هولاند. فقد تبناه خليفته إيمانويل ماكرون، وجعله متطرفاً كما يعبر مؤلفا الكتاب. ويؤكدان أنه يحتاج إلى قاعدة اجتماعية، «الكتلة البرجوازية»، المصممة على تجاوز انقسام اليمين/اليسار من خلال تحالف جديد بين الطبقات الوسطى والعليا. ولكن هذا يعد، كما رأينا مؤخراً في شوارع باريس وأماكن أخرى، عملية محفوفة بالمخاطر.

 تحولات عميقة

يقول الكاتبان: «تشهد السياسة الفرنسية تحولات عميقة. فقد أعطت استطلاعات الرأي في بداية الحملة الرئاسية لعام 2017 تصنيفات قوية لكل من المرشحين المستقلين إيمانويل ماكرون، وجان لوك ميلينشون، ولحزب يعتبر في كثير من الأحيان معادياً للنظام الوطني للجبهة الوطنية. وتزامن هذا التشرذم السياسي مع العدد المتزايد من الموضوعات التي اختلفت فيها برامج المرشحين الرئاسيين. وكانت مشاركة فرنسا في المشروع الأوروبي، واندماجها في الاقتصاد العالمي، وقانون العمل، والحماية الاجتماعية، وتمويل المعاشات التقاعدية، مجرد مجالات عدة، حيث أعيد وضع الوعود السابقة موضع التساؤل، مع تباين خطط المرشحين في كل منها. ولم يعد الصراع السياسي يتعلق بالأدوات «العادية» للسياسة الاقتصادية فقط - مثل الإنفاق العام والسياسة المالية والحد الأدنى للأجور - ولكنه يتعلق أيضاً بشكل مباشر بمؤسسات هيكلة الرأسمالية الفرنسية. وتهدف بعض الاستراتيجيات إلى الدفاع عن المؤسسات الفرنسية الخاصة، في حين طرح البعض الآخر تحولاً جذرياً لها وفقاً لمبادئ الليبرالية الجديدة».

 ويضيفان: «لقد تم إضعاف اليسار الفرنسي وانقسامه بنهاية «ترينتي جلوريوز»، (العصر الذهبي لما بعد الحرب)، وما ترتب على ذلك من تباطؤ في النمو الاقتصادي. فمنذ الثمانينات، كانت توقعات جزء من ناخبي اليمين - ولا سيما الحرفيين، التجار ورجال الأعمال الصغيرة وكبار مديري القطاع الخاص - تغذيها تجربة الحكومات بقيادة مارجريت تاتشر في المملكة المتحدة، ورونالد ريجان في الولايات المتحدة. ومن وجهة نظر هذه الفئات، فإن الطريقة الوحيدة لإحياء الاقتصاد يعتبر النشاط إصلاحاً ليبرالياً جديداً جذرياً بالنسبة ليهم يرتبط بشكل خاص بالتخفيضات الضريبية. لكن جزءاً من القاعدة الاجتماعية لليمين المعتمد على الأجور، ولأسباب واضحة، عارض باستمرار مثل هذه الاستراتيجية. وبدلاً من ذلك، يفضّل الحفاظ على خصائص معينة للنموذج الفرنسي، وتحديداً في مجالات الحماية الاجتماعية وسوق العمل».

 ويرى المؤلفان أن «اليمين الفرنسي لم يجد حتى الآن أي وسيلة حقيقية للوساطة بين المطالب المتناقضة الآتية من قاعدته. وبدلاً من ذلك، يتأرجح باستمرار ذهاباً وإياباً بين إغرائه بتبني أقسى المواقف النيوليبرالية، ورغبته المعلنة - إلى حد ما مستوحاة من تقليد ديجولي معين - لمكافحة الانقسام الاجتماعي. إن الانقسام في الكتلة اليسارية شيء مختلف إلى حد ما، لأنه النتيجة النهائية لمعركة أيديولوجية وسياسية مشتعلة في الحزب الاشتراكي منذ تأسيسه. كما رأى ميشيل روكار ما يسمى باليسار الثاني، فإن التحالف الاجتماعي الذي بناه ميتران في السبعينات، والذي تحمل فيه الطبقة العاملة وزناً حاسماً، لا يمكن أن يكون بمثابة حجر الأساس لسياسة تحديث المجتمع الفرنسي. والتيارات التي قادها روكار وجاك ديلور - ورثة التقليد «الحداثي»- هُزمت مؤقتاً. ومع ذلك، فقد حققت نجاحاً حاسماً في ترسيخ التكامل الأوروبي كنقطة غير قابلة للتفاوض في البرنامج الاشتراكي.

 هيكلة الصراع السياسي

 يرى المؤلفان أن تحليل الحالة الفرنسية يجعل من الممكن تحديد العوامل السببية الأخرى، والتي تشير إلى فرضيات إضافية لتفسير الديناميكية في العمل في القارة الأوروبية. أولاً، هناك توترات طويلة الأمد بين اليسار الذي يسعى إلى تغييرات عميقة في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية كطريق للخروج من الرأسمالية، واليمين الذي تغريه آليات السوق ويلتزم، جزئياً على الأقل، بالنيوليبرالية. ويسبق هذه العقود بعدة عقود التأثير الضعيف نسبياً لتجربة بلير للطريق الثالث للحزب الاشتراكي. وتشير الفترة الراهنة إلى مرحلة أخرى في العلاقات المتضاربة بين التيارات التي كانت تتعايش حتى الآن للأفضل، أو للأسوأ ضمن المشروع السياسي نفسه «الديمقراطي الاجتماعي». ونتج انقسام الكتلة اليسارية في فرنسا عن عمد من خلال عمل اليسار الثاني، الذي رأى الطبقة العاملة في التحالف عقبة أمام حركة التحديث التي سعى إلى تعزيزها. وبالمثل، فإن الإغراء النيوليبرالي على اليمين يعود إلى أصول هذا التيار الأيديولوجي الذي نما نفوذه باطراد داخل الأحزاب المحافظة منذ أزمة السبعينات. وأدت تجارب التمزق النيوليبرالي الراديكالي في الثمانينات بقيادة ريجان، في الولايات المتحدة، وتاتشر في المملكة المتحدة، إلى دور الجاذب الأيديولوجي لقسم من الطبقة السياسية، وكذلك لجزء صغير من الناخبين اليمينيين التقليديين، ما ساهم في أزمتها، في حين أن قسماً آخر من هؤلاء الناخبين اليمينيين ما زالوا يتوقعون أن تلعب الدولة دوراً وقائياً، وتعارض على الأقل، بعض جوانب التحول النيوليبرالي.

 ودفعت الأزمة التقدمية للكتل السياسية التقليدية العديد من المحللين - في فرنسا كما في أي مكان آخر - إلى النظر إلى الانقسام بين اليمين واليسار، والذي شكّل المشهد السياسي لفترة طويلة، رغم أنه يضعف تدريجياً، إن لم يختف تماماً. ومن وجهة نظرهم، تم استبداله بانقسام جديد بين الأوروبيين و«القوميين»، أو في صيغة مختلفة ولكنها متكاملة، بين «المديرين» المعنيين بتوازنات الميزانية، والعوامل التي تسهل التنمية الاقتصادية على المدى الطويل، والشعبويين الذين يكون هدفهم الوحيد مرتبطاً بشكل مباشر بالتوقعات الانتخابية الفورية.

 يقول المؤلفان: «من مزايا تجربة ماكرون على الأقل، أنها تبدد أوهام النيوليبرالية التحررية هذه من خلال إظهار إلى أي مدى يمكن، أو حتى يجب، أن يستند التحول النيوليبرالي الراديكالي للمجتمع إلى قمع بوليسي وحشي وانتهاك كبير للحريات المدنية. من المهم التأكيد أولاً، وقبل كل شيء، على أن الاستراتيجيات السياسية المؤيدة لأوروبا، أو «المناهضة» لأوروبا التي يمكن ملاحظتها في مختلف البلدان تسترشد بالاهتمامات السياسية الوطنية. وقد يفسر هذا التناقض القائل إن الرئيس ماكرون والحزب الديمقراطي الحر الألماني منقسمان بشأن قضية إصلاح منطقة اليورو، على الرغم من أنهما يشتركان في الطموح نفسه في ما يتعلق بالمجتمع والنموذج الاقتصادي لبلديهما. التناقض واضح فقط. وفي كلتا الحالتين، فإن الاستراتيجية السياسية نفسها - لتحقيق نموذج نيوليبرالي - يتم اتباعها وسط قيود وطنية مختلفة. وفي إحدى الحالات، تجعل هذه القيود من الضروري معارضة إصلاح كبير في منطقة اليورو، ويُنظر إليه على أنه ينطوي على نقل الموارد من ألمانيا إلى بلدان أخرى، ما يضعف القاعدة الاجتماعية اللازمة لاستمرار الانتقال النيوليبرالي في ألمانيا. وفي الحالة الأخرى، في فرنسا، لا غنى عن إصلاح منطقة اليورو لأسباب اقتصادية - عدم اكتمال التوحيد النقدي من دون الفيدرالية المالية؛ عدم وجود مساحة لسياسة الاقتصاد الكلي لمواجهة التقلبات الدورية، والتي تصبح ضرورية للغاية مع تحرير سوق العمل وإضعاف المثبتات التلقائية -، ولأسباب سياسية، حيث إن جزءاً من الكتلة الاجتماعية التي تدعم ماكرون تدعم الانتقال النيوليبرالي فقط، بقدر ما يعزز التكامل الأوروبي.

 ويضيفان: «لذلك يجب رفض وجهة النظر المبسطة حول هيكلة الصراع السياسي؛ على وجه الخصوص، لأن تحليل الديناميكية الفرنسية، والذي يمكن مقارنته هنا مع تلك الخاصة بإيطاليا وإسبانيا وألمانيا أيضاً، يشير إلى تنوع البرامج التي تؤثر في المؤسسات الأساسية جداً للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي، مثل علاقة الأجور والتكامل الدولي والحماية الاجتماعية. وتشجعنا هذه الملاحظة على تحليل إعادة التشكيل السياسية الجارية على أساس ليس الانقسام القديم بين اليمين واليسار أو الانقسام الأوروبي/ الأمة الجديدة، ولكن على أساس نماذج الرأسمالية التي تقوم عليها المشاريع المختلفة».

 وبطبيعة الحال – يقول الكاتبان - قد يؤدي الإصلاح المحتمل للمؤسسات الأوروبية، أو حدوث أزمة كبيرة في الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة، إلى إحداث تغيير في ديناميكيات المستقبل. ولكن ستلعب التغييرات المؤسسية داخل كل بلد دوراً حاسماً؛ من أجل الانتقال الكامل إلى النموذج النيوليبرالي، الذي هو على جدول الأعمال ليس لماكرون فقط، ولكن أيضاً للحكومات الأوروبية الأخرى، ومن شأنه أن يغير بشكل عميق محتوى التوقعات الاجتماعية، والتعريف السياسي ووزن المجموعات الاجتماعية الاقتصادية. لذلك فإن الصراع السياسي والاجتماعي الذي يدور حالياً في فرنسا، وعلى نطاق أوسع في أوروبا، له أهمية قصوى: فنتائجه، التي يصعب بالتأكيد التنبؤ بها، لن تحدد بعمق تنظيم الرأسمالية القارية فحسب، بل سترسم أيضاً شكلاً جديداً. وحدوداً دائمة بين الطبقات المهيمنة التي تشارك في الكتلة الحاكمة، والطبقات المهيمنة التي تتم التضحية بمصالحها من خلال الإجراءات الحكومية.

 بنية الكتاب

 صدر هذا الكتاب عن دار فيرسو للنشر في 23 مارس/ آذار 2021 ضمن 192 صفحة من القطع المتوسط. وهو مكون من خمسة أجزاء بعد المقدمة وهي: 1) «الأزمة السياسية: غياب مدونة اجتماعية مهيمنة»؛ 2) «هوية الحزب الاشتراكي: في قلب الأزمة»؛ 3) «الكتلة البرجوازية: كتلة مهيمنة جديدة»؛ 4) «عمليات إعادة التشكيل السياسي»، 5) «النموذج الفرنسي للرأسمالية: في قلب السياسة».

 يبدأ المؤلفان في الفصل الأول، بتحديد النهج النظري لآليات تشكيل الدعم الشعبي، ثم يراجعان أسباب تمزق التحالفات الاجتماعية على كل من اليسار واليمين، وهو تمزق أصبح الآن قديماً نسبياً. وهنا، يؤكدان أن خصوصية الأزمة السياسية الفرنسية تكمن بالتحديد في الاستبعاد المتزايد للطبقات الشعبية من التبادل السياسي.

ويخصصان الفصل الثاني لواحد من اللاعبين الرئيسيين في هذه الأزمة، وهو الحزب الاشتراكي. ويعيدان تتبع أصول طموحه في «تحديث» الرأسمالية الفرنسية، ويؤكدان على الصلات بين هذا الطموح وارتباطه الراسخ بالتكامل الأوروبي.

 ويتناولان في الفصل الثالث الرابط بين المسار الأيديولوجي للحزب الاشتراكي وسعيه إلى قاعدة اجتماعية متجددة، يتماشى مع أهدافه «الإصلاحية». ويرى الكاتبان أن هذا المسعى أدى إلى أزمة الكتلة اليسارية، وبالتوازي مع ذلك، ظهور مشروع سياسي جديد يتزامن مع محاولة تشكيل الكتلة البرجوازية.

ويحللان في الفصل الرابع، إعادة تشكيل المشهد السياسي الناتج عن أزمة التحالفات الاجتماعية التقليدية وظهور الكتلة البرجوازية. ويحددان عبر هذا التحليل ثمانية مشاريع سياسية متميزة تتسم بها الحياة السياسية في فرنسا.

 ويقترحان في الفصل الخامس تحليلاً للجزء الأول من رئاسة إيمانويل ماكرون، حيث يجدان أن فوز ماكرون في الانتخابات الرئاسية عام 2017 يمثل أول نجاح انتخابي للكتلة البرجوازية. ويوضح الكاتبان الظروف التي كان من الممكن في ظلها تحقيق هذا النجاح، وكذلك الصعوبات التي واجهتها المعارضة السياسية للنظام الجديد، وكذلك غموض الاستراتيجية السياسية القائمة على دعم الكتلة البرجوازية.

عن المترجم

نضال إبراهيم

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
أندريا غيزيلي
2
أندرياس مالم ومجموعة زيتكين
1
مارينا برنتوليس
1
مارسيلو بيرجمان وغوستافو فونديفيلا
1
ليف فيجين
1
كارلوس ساردينيا جالاتشي
1
جون كامبل