عادي

«نظام التفاهة».. رثاء طويل للثقافة الجادة

قراءات
22:52 مساء
قراءة 3 دقائق
1601

الشارقة: محمد إسماعيل زاهر

في روايته «حفلة التفاهة» يقول التشيكي ميلان كونديرا على لسان البطل: «التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود»، هل كان كونديرا من خلال هذه المقولة المستفزة في تلك الرواية الصادرة عام 2014 يبرر توقفه عن الكتابة لمدة أربعة عشر عاماً؟، فالعمل السابق مباشر ل«حفلة التفاهة» هو «الجهل»، 2000، هل هيمن عليه الشعور بالسطحية؟، وهي الأحاسيس التي يقاربها في روايته الأخيرة، هل اكتشف ذلك العجز الذي أصاب معظم المثقفين في نهايات القرن العشرين، وجعلهم يتوقفون عن الحلم بتغيير العالم؟

لماذا ينتاب الكثير من المفكرين والأدباء في العقود الأخيرة مرارة الإحساس باللاجدوى وغياب الهدف؟، تلك التي دفعت بعضهم إلى الصمت، وأغرت البعض الآخر بالخروج من المشهد، وحثت فريقاً ثالثاً على التوجه للكتابة الخفيفة الرائجة السهلة «التيك أواي»، هناك أطروحات كثيرة عالمياً وعربياً قاربت تلك الظاهرة التي ترتبط بمناخ وتحولات اجتماعية وثقافية تاريخية.

هل تبدأ قصة تراجع الثقافة الثقيلة مع هيمنة عصر الصورة، التلفزيونية تحديداً؟، تلك التي تلاعبت بالعقول، ووضعت الكثيرين في مأزق الاستلاب، وهل يعود الشعور باللاجدوى إلى سلسلة النهايات التي شهدتها تسعينات القرن الماضي: نهاية التاريخ، نهاية الأيديولوجيا..إلخ؟، وما نتج عنهما من تغول للعولمة وللنزعة الاستهلاكية، وهل فقدت وظائف النخبة التقليدية أهميتها وفائدتها مع إعلان موت المؤلف -المثقف-الناقد ؟، وهل انتقل مجتمع الاستعراض – (الشو) إلى مرحلة أعلى من السطحية بدخول البشر عصر التواصل الاجتماعي؟

في هذا المناخ ووسط كل هذه الأسئلة ليس من مكان للجدية، وبالتالي لا محل للنخبة بتجهمها وطابعها المتحفظ، فالبشر ونتيجة لطبيعة التحولات السابقة لم يعودوا بحاجة إلى موجهين أو مرشدين، لقد نضجوا، وبات في مقدورهم الحصول على المعلومة، والموازنة بين مختلف مكونات المشهد، وبالتالي تكوين الرأي الفردي الحر البعيد عن أي وصاية، والعصي على القولبة في فكرة كبرى أو التماس مع أيديولوجيا معينة.

يؤكد المفكر الكندي آلان دونو في كتابه «نظام التفاهة»، أن التافهين أصبحوا في المقدمة، وفي مختلف المجالات، ومن هذا المنطلق يفيض الكتاب بمرارة واضحة، ويشكل في كثير من تحليلاته ونتائجه مرثية طويلة تقع في نحو 300 صفحة من القطع الكبير للثقافة الجادة والرفيعة كما عهدناها، مرثية دفعت مترجمة الكتاب مشاعل عبد العزيز الهاجري إلى كتابة مقدمة تتفاعل فيها وتتعاطف مع أفكار دونو.

يحتاج هذا الكتاب اللافت إلى قراءات مطولة فالمثقف: الجاد- النهضوي- التنويري- العضوي- الملتزم، على اختلاف كل هذه الأوصاف التي صاحبت المثقف طوال القرن الماضي، سيجد نفسه فيه، فالواقع الحالي بطبيعة بنيته التي يتشابك فيها الاجتماعي بالاقتصادي بالتكنولوجي حول المفكر إلى خبير، فالحكومات ومراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار وربما حتى دور النشر، لم تعد تمنح المبدع تلك المساحة التي يتمتع فيها بقدر من الحرية والابتكار والخروج على المألوف؛ للوصول إلى الجديد والمختلف والمغاير، ولكن بات لديها خطط واستراتيجيات جاهزة ما على المفكر إلا التحرك ضمن حدودها، وهو ما يعني أن المثقف انتهى بالفعل وليس بالقول أو التمني أو التنظير، ولم يعد أكثر من خبير. أما المهن فقد تحولت إلى وظائف، ولم تعد متوارثة أو تعتمد على بذل الجهد؛ للحصول عليها، وبالتالي غاب عنها التجويد وأي لمسات مميزة، وبتنا جميعاً أسرى التكرار وأصبحت المهنة اعتيادية وآلية.

ينتقد دونو أيضاً حال الثقافة التي تحولت في مجملها إلى الترفيه، ويرى أن تراجع الشعر كارثة، واعتماد السرد والسينما على الحركة والحكي والصورة مأساة، وأن الفن المفاهيمي والتجريبي يعبر عن مرحلة متقدمة من توحش الرأسمالية والثقافة الاستهلاكية ويطلق عليه «الفن التخريبي»، ويحلل ميوعة الأحزاب والحركات السياسية في الغرب، ويرى أن العالم يعيش مرحلة مخادعة يحاول فيها الجميع التمترس خلف الوسطية بوصفها نقيض الفكر، تتسم بالميوعة واللغة الرمادية التي لا تفصح عن أي موقف، وأن من ينتمون إليها ليسوا أكثر من «قالبي سترات» يغيرون وجوههم وفقاً لتبدل الأحوال.

كتاب دونو مترع بالمرارة، لأوضاع الثقافة والفكر في العالم بأكمله، قراءة نقدية تحلل مظاهر حالة من السطحية التي يعيشها الآن جميع البشر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"