السلام عبر «الأطلسي»

أمريكا وأوروبا في عصر ما بعد الحرب الباردة
22:15 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
جوسي هانهيماكي
جوسي هانهيماكي مؤرخ فنلندي من مواليد 1965، يعمل أستاذاً في التاريخ الدولي والسياسة في المعهد العالي للدراسات الدولية والإنمائية في جنيف، سويسرا، وهو مؤلف لعدد من الأعمال عن السياسة الخارجية الأمريكية والعلاقات عبر الأطلسي وقضايا اللجوء.

 منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة تبين للكثيرين أن مفهوم مجتمع غربي موحد عبر الأطلسي أصبح من الماضي، ووجدوا أنفسهم أمام سؤال: هل انتهى الغرب كفكرة سياسية؟ يوضح هذا العمل الأسباب التي جعلت الغرب صامداً حتى الآن رغم الخلافات البنيوية المستمرة، ويتوقع أن يشهد ازدهاراً أكثر في المستقبل.

بدأ المراقبون في السنوات الأخيرة، بالإشارة إلى دلائل على أن هذا المجتمع عبر الأطلسي في حالة من التآكل. عندما توسع الاتحاد الأوروبي، كانت الدولة القومية الأوروبية الكلاسيكية في حالة تدهور. الآن، القومية آخذة في الصعود. علاوة على ذلك، نجد أن الدول داخل الاتحاد الأوروبي أقل استعداداً للتعاون مع الولايات المتحدة بشأن السياسات التي تتطلب تضحيات ومخاطر، مثل استخدام القوة العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة.

 يرى هانهيماكي بأنه على الرغم من خطاب ترامب التحريضي والرافض، استمر الناتو في توفير الأمن القوي للدول الأعضاء فيه. فقد نجا حلف الناتو من خلال توسيع صلاحياته ونطاقه، وتنظر الدول الأعضاء إليه بشكل إيجابي على العموم. كما يفتخر المنخرطون في العلاقة عبر الأطلسي بأنها أغنى وأضمن اقتصاد عابر للقارات في العالم. على الرغم من التداعيات المحتملة من الحروب التجارية الحالية - خاصة بين الولايات المتحدة والصين - وصعود القومية الاقتصادية، لا يزال الغرب يستفيد من التجارة الكبيرة عبر الأطلسي والتدفقات الاستثمارية الضخمة.

 ويتتبع هانهيماكي في هذا الكتاب التطور الموازي للسياسات المحلية على جانبي المحيط الأطلسي، مع التركيز على صعود الشعبوية، ويؤكد أن الشعبوية لا تسبب شرخاً بين الولايات المتحدة وأوروبا، بل بدلاً من ذلك، يُظهر انتشار الشعبوية أن سياساتهم في الواقع مندمجة بشكل وثيق. ويشير إلى أنه من الواضح أن تاريخ العلاقة عبر الأطلسي - حتى أثناء الحرب الباردة - كان مملوءاً بالأزمات، إلا أن العلاقة استمرت.

 شراكة في ظل الأزمات

 توضح المقدمة المفارقة الأساسية التي تناولها هذا الكتاب، فمن ناحية، تبدو العلاقات عبر الأطلسي في حالة أزمة مستمرة، إذ تم الإعلان عن «موت» الشراكة عبر الأطلسي بكل ثقة مرات عديدة. ومن ناحية أخرى، ظلت الروابط وثيقة بين الولايات المتحدة وأوروبا على الصُعُد المؤسسية والثقافية والسياسية والعسكرية حتى الآن. يتساءل المؤلف في المقدمة عما إذا كانت الشراكة عبر الأطلسي للديمقراطيات الليبرالية قد أصبحت أكثر هشاشة في العقود الثلاثة الأخيرة؟

 يتحدث الكاتب عن بداياته: «تعكس الأحداث الموصوفة في هذا الكتاب تجربتي في الحياة. تركت موطني فنلندا في عام 1987. تحول تبادل الطلاب لمدة عام في جامعة بوسطن إلى مغامرة طويلة عبر المحيط الأطلسي وسط بعض التحولات العالمية غير المتوقعة. بحلول الوقت الذي أنهيتُ فيه درجة الدكتوراه في عام 1993، لم يعد هناك أي وجود للاتحاد السوفييتي الذي شكل وجوده جزءاً كبيراً من التاريخ العالمي (والفنلندي) في القرن العشرين. في عام 1995، عندما وصلت إلى المملكة المتحدة لتولي أول وظيفة لي كمحاضر في التاريخ الدولي في كلية لندن للاقتصاد، تم تشكيل الاتحاد الأوروبي. وقد وُصف بأنه تجسيد لما أطلق عليه جورج بوش الأب، آخر رؤساء أمريكا في الحرب الباردة، قبل بضع سنوات قصيرة بأنه «أوروبا كاملة وحرة». كمواطن في إحدى الدول الأعضاء الجدد في هذه«القوة المدنية العظمى الناشئة»، شعرت بتحول مميز، وانتماء جديد من نوع ما. لم تعد فنلندا منطقة حدودية بين الشرق والغرب، بل كانت راسخة بقوة في مجتمع من الدول ذات التفكير المتشابه. وربما بسبب تجربتي في أمريكا الشمالية التي دامت ثماني سنوات (والتي شملت فترة عامين في كندا)، أو ربما لأنني أعيش الآن في بلد (سويسرا) لا يزال يبدو متمسكاً ب«علاقته الخاصة» الأسطورية مع الولايات المتحدة، شعرت أن هذا المجتمع كان شيئاً أكبر. كان بالتأكيد مجتمعاً عبر المحيط الأطلسي».

 ويضيف بعض الملاحظات قائلاً: «يبدو أن المجتمع عبر الأطلسي في حالة حرب مستمرة مع نفسه. لقد لاحظت ذلك بشكل مباشر في المؤتمرات الأكاديمية. وجدت نفسي أكثر من مرة في موقف غير مريح إلى حد ما، واضطررت أحياناً للدفاع عن الموقف الأمريكي لأصدقائي الأوروبيين. في 2002-2003 عندما أمضيت عاماً في مركز وودرو ويلسون في واشنطن، شعرت بأنني مضطر للدفاع عن الفرنسيين والألمان، حيث وصفهم زملائي الأمريكيون بأنهم «قرود الاستسلام». بالنسبة إلى مواطن مزدوج الجنسية من فنلندا وسويسرا«فائق الحياد»، قد يكون هذا دوراً طبيعياً. لكن الاضطرار إلى القيام بذلك مراراً وتكراراً يعني ضمنياً بعض الخلاف البنيوي. كان المجتمع عبر الأطلسي، ببساطة، عرضة للأزمات».

 تغيرات في مجتمعات الأطلسي

 يبحث الفصل الأول بعنوان «النصر والغرب: تشريح جثة» في حالة العلاقات عبر الأطلسي في نهاية الحرب الباردة. يشير الكاتب إلى أن الأمر يتعلق بشكل خاص بفكرة أن الحرب الباردة كانت عصراً ذهبياً للتعاون عبر الأطلسي. ويقول: «شهدت الحرب الباردة ظهور مجتمع عبر الأطلسي، لكن هذا المجتمع كان في حالة دائمة من الصراع الداخلي والخلاف. كان الناتو قد انهار تقريباً في الستينات عندما انسحبت فرنسا من القيادة العسكرية الموحدة للحلف، وتكررت النزاعات حول تقاسم الأعباء والالتزامات خارج المنطقة وحول الإعانات الوطنية وقواعد التجارة. قبل سقوط جدار برلين، كان التحالف قد نجا، بل وازدهر خلال العديد من الأزمات الداخلية. ومن المفارقات أنه عندما انتهت الحرب الباردة في أوروبا، كان«الغرب» في الوقت نفسه أكثر تنوعاً وتوحيداً من أي وقت مضى».

 يركز الفصل الثاني بعنوان «الوصي على السلام عبر الأطلسي» على منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). يرى الكاتب أنه «منذ نهاية الحرب الباردة، وسع الناتو عضويته وغامر بما يتجاوز جواره المباشر. تم تعزيز أهميته كجهة فاعلة أمنية، لأسباب ليس أقلها تصرفات الاتحاد الروسي في جورجيا وأوكرانيا وسوريا. بحلول عام 2020، كان الناتو أكبر وأكثر انخراطاً من أي وقت مضى، بقدرات عسكرية فاقت قدرات أي من خصومه الحقيقيين أو المحتملين. ومع ذلك، تعرقلت قصة النجاح بسبب التشاؤم واسع النطاق بشأن مستقبل الناتو على جانبي المحيط الأطلسي. في الواقع، شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة العديد من الأزمات بين الحلفاء: حرب العراق عام 2003 كان المثال الأكثر وضوحاً. ومع ذلك، بعد ثلاثة عقود من انهيار جدار برلين، احتفظ الناتو بوظيفته باعتباره لبنة البناء الأساسية للسلام عبر الأطلسي».

 أدت نهاية الحرب الباردة والوتيرة السريعة المتزايدة للعولمة إلى تغير في المجتمع الاقتصادي عبر الأطلسي. يتتبع الفصل الثالث بعنوان «الترابط والتكامل» بعض التطورات الاقتصادية الرئيسية في العقود الثلاثة الماضية، بما في ذلك تأثير التكامل الإقليمي، والأزمة المالية في 2007-2010، والشكوك الناتجة عن قرار بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي في عام 2016، وميل إدارة ترامب الواضح نحو القومية الاقتصادية. ومع ذلك، فإن تاريخ الفضاء الاقتصادي عبر الأطلسي هو أيضاً تاريخ أعمق من الترابط والتراكم المستمر للثروة. يعلّق الكاتب: «بعد ثلاثة عقود من التحول في فترة ما بعد الحرب الباردة، لا يزال الاقتصاد عبر الأطلسي هو قمرة القيادة للاقتصاد العالمي، وهو أكبر وأغنى سوق في العالم. في الواقع، قد تكون المفارقة النهائية للعلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي هي أن التكامل الاقتصادي الأوثق والاعتماد المتبادل قد أدى إلى مزيد من المنافسة عبر الأطلسي وتدقيق أوثق للممارسات التجارية ومعايير العمل للطرف الآخر».

 يبحث الفصل الرابع بعنوان «السياسة والشعبويين» في الفضاء السياسي عبر الأطلسي، مع إيلاء اهتمام خاص لصعود الشعبوية. يذكر الكاتب أنه: «منذ عام 2016 على وجه الخصوص، أصبح المحللون مهووسين ببزوغ فجر حقبة جديدة من سياسات ما بعد الحقيقة والديمقراطية غير الليبرالية»، ويرفض المؤلف مثل هذا التشاؤم، مؤكداً في هذا الفصل أن صعود الشعبوية عبر الأطلسي هو جزء لا يتجزأ من إعادة خلط السياسة الديمقراطية بعد عام 1989، عندما لم تعد تسميات مثل «يسار» و«يمين» تحمل المعنى الذي كانت عليه من قبل. علاوة على ذلك، فإن الطبيعة الشعبوية عبر الأطلسي - مثل صعود ما يسمى بالطريق الثالث في التسعينات - تتحدث عن درجة الترابط بين أوروبا وأمريكا في عالم ما بعد الحرب الباردة. ويشير إلى أنه في حين أن السياسات المحلية لكل بلد يمكن أن تكون خصوصية، فقد نمت الاتجاهات «الكلية» بشكل متزايد في العقود الثلاثة الماضية. ويرى أن هناك فضاءً سياسياً عبر الأطلسي يتردد فيه صدى الأفكار و«يمضي» بسرعة متزايدة.

تسييس الوباء

 يتناول المؤلف في الفصل الخامس بعنوان «2020-الانتشار» كيف أن الانتشار السريع لجائحة كورونا أدى إلى تغيير شكل الحياة في جميع أنحاء العالم، لما سببته من قيود على الحريات الفردية والتحركات عبر الحدود، قائلاً: «توقف السفر عبر المحيط الأطلسي فعلياً في ربيع عام 2020. تسبب فيروس كورونا في انكماش اقتصادي حاد وسريع، وأدى تسييسه إلى تفاقم الانقسامات القائمة داخل المجتمعات والأنظمة السياسية. ومع ذلك، من بعض النواحي، قد يتضح أن ما يثير الدهشة في الوباء هو التأثير المحدود الذي أحدثه على الروابط الهيكلية بين أمريكا وأوروبا. احتل الحديث عن زوال حلف الناتو مقعداً خلفياً، واكتسب زيادة التعاون عبر الأطلسي في العلوم والابتكار زخماً أكبر. في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، كانت هزيمة دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية - التي ربما تكون الحدث السياسي الأكثر مشاهدة على الإطلاق - مؤشراً على عودة محتملة إلى الخطاب العام الأقل إثارة للانقسام».

تخوفات من المستقبل

 ويشير الكاتب إلى أنه في الواقع، لا يبدو أن يوماً يمر دون صراع من نوع ما. تعتبر العلاقة عبر الأطلسي قصة نجاح عظيمة وهي دائماً على شفا كارثة. يرتبط الفضاء عبر المحيط الأطلسي عبر شبكة من المؤسسات المختبرة، والروابط الاقتصادية القوية، والأنظمة السياسية التي غالباً ما تتطور بطرق متشابهة بشكل مدهش، كما في حالة الشعبوية. ومع ذلك، فإن الذعر بشأن مستقبل هذه العلاقة يطفو على السطح مراراً وتكراراً، كما هو متوقع تقريباً. في الواقع، بدا عالم 2020 بعيداً عن التفاؤل الذي عبر عنه الكثيرون قبل ثلاثة عقود. لقد مرت الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي، كما في حالة الضم الروسي لشبه جزيرة القرم، دون عقاب تقريباً. يبدو أن أجزاء أخرى من العالم قد استفادت من افتتاح أسواق جديدة أكثر من استفادة أبطالها التقليديين. في غضون ذلك، كان الأوروبيون والأمريكيون مختلفين حول العديد من القضايا لدرجة أن الطلاق الصاخب بدا أكثر احتمالاً بكثير من المصالحة الهادئة.

 ويقول: «بطريقة ما لم يكن هذا «شعوراً صحيحاً». منذ أكثر من نصف قرن، كتب هنري كيسنجر، وهو على الأرجح أشهر رجل دولة أمريكي مولود في أوروبا على الإطلاق: (وهكذا، فإننا نواجه السؤال الجذري لعالم متعدد الأقطاب. ما مقدار الوحدة التي نريدها؟ ما مقدار التنوع الذي يمكننا تحمله؟ هذه الأسئلة ليس لها إجابة نهائية في مجتمع تعددي. سيكون تعديل التوازن بين التكامل والاستقلال هو التحدي الرئيسي للعلاقات الأطلسية)». ويضيف الكاتب: «هذا، حتى في عام 2021، (يبدو صحيحاً)».

يقدم المؤرخ هانهيماكي في «الخاتمة» بعنوان «العودة إلى الوضع الطبيعي» لمحة موجزة عن تداعيات الانتخابات الأمريكية لعام 2020 واحتمالية أن تساعد رئاسة بايدن في إعادة تشكيل الخطاب وجوهر العلاقة عبر الأطلسي. ومع ذلك، يؤكد الفصل أيضاً أن نهاية رئاسة ترامب لن تعني عودة مفاجئة إلى الحياة الطبيعية، لأن التوترات ستستمر بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن عدد من القضايا التجارية أوالسياسية مع الصين. وبدلاً من ذلك، فإن التعايش المتناقض بين التعاون والصراع - بين المصالح المشتركة الجوهرية والخلافات المتكررة - الذي ميز العلاقة عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب الباردة، من المرجح أن يستمر في المستقبل المنظور. من المرجح أن يزدهر السلام عبر الأطلسي لسنوات قادمة.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

2
جيورجوس تشارالمبوس
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي
1
كريس سالتمارش

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
بول هونج، ويونغ وون بارك
2
جون لوف
1
أندرو كوكبيرن
2
بول روجرز
1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
جورجيو أغامبين
1
ميغان أ.كارني