هل تستفيد «طالبان» من تجاربها؟

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

حافظ البرغوثي

انضم الانسحاب الفوضوي للقوات الأمريكية وحلفائها من أفعانستان إلى سلسلة من الهزائم للتدخلات الغربية في مناطق شتى من العالم، أبرزها الهزيمة في حرب فيتنام، والمشهد الذي رافق الانسحاب جواً من مطار كابول يذكّر مع بعض التغيير بالانسحاب من سايجون. ولعل الرئيس الأمريكي جو بايدن كان صريحاً عندما برر الانسحاب بأنّ المصلحة القومية لبلاده في أفغانستان كانت بشكل أساسي تتمحور دوماً حول منع استهداف الولايات المتحدة بهجمات إرهابية انطلاقاً من البلد الغارق في الحرب، مشدّداً على أنّ «المهمة في أفغانستان لم تكن يوماً بناء دولة». أي أن التدخل الغربي وما رافقه كان هدفه الإبقاء على أفغانستان فريسة للفقر وحقل تجارب. 

ولعل انهيار النظام الأفغاني بسرعة، وعدم رغبة الجيش الذي بناه الأمريكيون وحلفاؤهم في القتال على الرغم من العتاد المتطور لديه، يؤكد عدم وجود هدف لمئات الآلاف من الجنود للقتال سوى انتظار الرواتب التي كان بعض قادة الجيش إلى جانب السياسيين يختلسون أغلبها، ولنا فيما حدث في غزة سنة 2006 مثالاً آخر؛ حيث إنه بعد تشكيل «حماس» حكومة، جرى حصارها مالياً من الدول المانحة، فقامت الرئاسة بإنشاء صندوق تورد إليه الأموال وصرفها بنسبة معينة من الرواتب، ولوحظ أن رواتب العسكريين في الأمن الفلسطيني كان يتم تأخيرها لشهور، فجاع العسكر وبعضهم باع عتاده ل«حماس»، ولما انقلبت الأخيرة في العام التالي على السلطة لم تجد مقاومة تذكر؛ حيث لزم العسكر بيوتهم، خاصة وأن أغلب القادة السياسيين والأمنيين فروا إلى الضفة والخارج.

وفي حالة أفغانستان ليس معقولاً أن يزج التحالف الدولي الذي تشكل بعد إطاحة «القاعدة» بأكثر من 150 ألف جندي ويصرف أكثر من تريليون دولار ويفقد نحو أربعة آلاف جندي أغلبهم من الأمريكيين، ولا ينجح في بناء دولة إلا إذا كان همه غير ذلك!. فالحصيلة كانت أشد مرارة بالنسبة للشعب الأفغاني الذي يعيش منذ نهاية السبعينات في حالة حرب ضد السوفييت أولاً ثم الغرب بكامله لاحقاً. فقد انتفى الحافز للحروب، وربما كان هناك ترتيبات داخلية وخارجية تمت بين قادة سياسيين وعسكريين لتسليم البلاد لحركة «طالبان». وبعكس العراق، حاول الأمريكيون خلق بنية دولة أفغانية وجيش، لكنهم اعتمدوا على أناس غير أَكْفَاء، بينما كان الهدف الأمريكي في العراق منذ البدء تدمير الدولة العراقية وحل الجيش واجتثاث كل ما هو عربي قومي وإثارة الفتنة المذهبية التي ما زالت تسهم في عرقلة بناء الدولة العراقية، وسلب مقدرات العراق وإذابة هويته العربية لمصلحة الطائفية الموجهة من الخارج.

الآن لن تستطيع حركة «طالبان» العودة إلى الوراء، وفرض قيودها السابقة في المجتمع؛ بل هي مضطرة للتغيير إن أرادت عدم العيش في عزلة دولية، خاصة وأن الفصائل المنضوية في الحركة لها وجهات نظر بشأن أساليب الحكم، قد تختلف عن بعضها. فبعضها يريد إمارة تنظر إلى الدين نظرة متطورة عن السابق وهو ما يريده وجربه الشعب الأفغاني، وهناك من يريد العودة إلى الوراء وهو ما سيعرقل الاندماج في المجتمع الدولي وحتى الإسلامي، لأن الدعم الإسلامي والغربي وخاصة الأمريكي الذي تلقته «طالبان» في السابق، يرجع أساساً إلى كونها كانت تقاتل الشيوعية وليس حباً بالأفغان. فالتحديات أمام أفغانستان كبيرة، والبناء أصعب من الهدم، خاصة وأنها محاطة بقوى كبرى مثل باكستان والصين ودول ضمن الحلقة الروسية وإيران. وهناك وجهات نظر داخلية أفغانية مختلفة سواء دينية أو قومية كما أن «داعش» و«القاعدة» ما زالتا هناك. والدليل أن إمارة «طالبان» السابقة انهارت بسرعة تحت الضربات الأمريكية ولم يواجهها أغلبية الشعب الأفغاني بالمقاومة؛ بل ظلت فصائل «طالبان» وحدها تقاتل. سننتظر ونرى صيرورة السياسة الداخلية الأفغانية، لأنها ستحدد مصير «طالبان» إلا إذا جنحت إلى العقل، والاستفادة من تجاربها.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"