استعادة الديمقراطية في عصر الشعبويين والوباء

23:12 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
جوناثان مانثورب
جوناثان مانثورب مؤلف أمريكي له عدة كتب عن العلاقات الدولية والسياسة والتاريخ، كما غطى الأحداث السياسية في العديد من البلدان حول العالم على مدار 50 عاماً من حياته المهنية كصحفي. يعيش الآن في فيكتوريا، كولومبيا البريطانية.

شهدت العديد من البلدان تراجعاً كبيراً في الديمقراطية خلال العقود الأخيرة، بسبب الضغوط والتناقضات الداخلية فيها. يعدّ هذا الكتاب قراءة في كيفية إنقاذ الديمقراطيات من الطغاة والشعبويين الذين يقدمون إجابات سهلة للمواقف المعقدة.

يرى جوناثان مانثورب بأن الديمقراطية أكثر مرونة مما تبدو عليه، وهي قادرة على التغلب على الهجمات الداخلية والخارجية التي استنزفت نشاطها منذ نهاية الحرب الباردة. يبدأ هذا الكتاب بوصف الأحداث التي وقعت في عام 1989، وهي إحدى السنوات المؤثرة في التاريخ الحديث، فقد شهدت نهاية الحرب الباردة، والانتصار القاطع والواضح للديمقراطية وقيمها المدنية. لكن النظرة إلى هذه التغييرات على أنها انتصار للديمقراطية - كما لخصها فرانسيس فوكوياما في مقاله «نهاية التاريخ» - لم تدم طويلاً، فقد بدأت كل من روسيا المنزوعة من إمبراطوريتها السوفييتية، والحزب الشيوعي الصيني بعد مذبحة ميدان تيانانمين، في ابتكار طرق للهجوم المضاد على انتصار الغرب، وقد لاقت هذه الطرق نجاحاً كبيراً، لكن يرى الكاتب أن الضغوط والتناقضات الداخلية، تهدّد بقاء العديد من الأنظمة الديمقراطية.

يقول الكاتب في هذا العمل الصادر عن دار «كورمورانت بوكس» للنشر قي أغسطس/ آب 2020 باللغة الإنجليزية: «المجتمعات الديمقراطية الليبرالية قابلة للتكيف ومرنة بطبيعتها، لكن بعضها قد انجرف، والبعض الآخر ينجرف الآن؛ إنها تخاطر بالوقوع في حفرة الاستبداد أو ما هو أسوأ منه. يمكن - ويجب - إعادة تشكيلها لتعمل وتزدهر في العصر الجديد الذي فرض علينا. لن يكون هناك أي حل موحد. سيتعين على كل دولة أن تجد خلاصاً مبنياً على أساس تاريخها الفردي وثقافتها وتطلعاتها..»، مضيفاً: «كما شهدنا فقد غيّر الوباء اقتصادياً قواعد العديد من الألعاب، ولكنه أيضاً ذكّر بما هو ذو قيمة في المجتمعات البشرية، وما هو ضروري لجعلها تزدهر.. إن توقيت الوباء والرؤى التي قدمها يجب أن ينعش السعي لاستعادة الديمقراطية. إنه تحد يجب احتضانه بالإثارة والبهجة، وكذلك مغامرة يجب التعامل معها بعقل منفتح تماماً للإمكانات اللامحدودة تقريباً المتاحة لبناء وحماية الأطر الديمقراطية الحديثة. سيتطلب هذا الاستكشاف شجاعة ومثابرة وفهماً واضحاً لما حدث من خطأ في العقود الأربعة الماضية».

ويبين قائلاً: «احتوى مفهوم الديمقراطية الليبرالية دائماً على تناقضات واختلافات جوهرية في الرأي حول فلسفتها، حتى بين أشد مؤيديها. خلال معظم القرن العشرين، تم تهميش هذه التناقضات بسبب المعارك الأكبر بين الليبرالية الديمقراطية والفاشية الأولى ثم الشيوعية. ولكن مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، لم تظهر الفقاعات والصراعات داخل الديمقراطية الليبرالية على السطح فحسب؛ بل هددت بتآكل البنية الكاملة لما أعتقد أنه ثقافة شمال الأطلسي».

انحدار الديمقراطية

يستند هذا الكتاب على فكرة الإيمان بأن الديمقراطية هي أكثر الطرق فاعلية حتى الآن في إدارة الشؤون الإنسانية. هناك أربعة مبادئ أساسية لمجتمع ديمقراطي بالكامل بحسب الكاتب، وهي: الأول، يجب أن تعكس الحكومة تمثيلاً صادقاً للخيارات التي يتخذها المواطنون في انتخابات حرة ونزيهة، والثاني هو أن جميع المواطنين، بمن فيهم رئيس الدولة، يجب أن يخضعوا لسيادة القانون التي يديرها قضاء مستقل، والثالث هو أن تلك القوانين والسلطة القضائية يجب أن تكون لحماية الحريات والحقوق الإنسانية والمدنية للمواطنين، وأخيراً، وربما الأهم في الديمقراطية الناجحة، يجب على المجتمع ككل تعزيز وتمكين مواطنيه من المشاركة في العملية الديمقراطية وعمل المجتمع.

لقد حقق عدد قليل من البلدان بشكل ملحوظ ديمقراطية كاملة بموجب تلك المبادئ الأساسية. في تقييم سنوي نشرته وحدة المعلومات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، أشار إلى أن 22 دولة فقط هي ديمقراطيات كاملة في عام 2019. احتلت فيه الولايات المتحدة المرتبة الخامسة والعشرين في القائمة. يقول الكاتب هنا: «كانت الديمقراطية الأمريكية في حالة انحدار منذ أكثر من عقد. تشمل عيوبها، وفقاً لتصنيف الاتحاد الأوروبي، الدرجات المنخفضة للمشاركة السياسية، والثقافة السياسية، والحريات المدنية. تشترك الولايات المتحدة في هذه مع فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وعدة دول أخرى في الأغلب تعد ديمقراطيات من الدرجة الأولى. ويضيف: وضع تقرير الاتحاد الأوروبي جدولاً للانحدار العام في القيم الديمقراطية بين الديمقراطيات الغربية لعدة سنوات، والدليل على ذلك: 1) التركيز المتزايد على حكم النخبة / الخبراء بدلاً من الديمقراطية التشاركية الشعبية؛ 2) التأثير المتزايد للمؤسسات وهيئات الخبراء غير المنتخبة وغير الخاضعة للمساءلة؛ 3) إزالة القضايا الجوهرية ذات الأهمية الوطنية من الساحة السياسية ليقررها السياسيون أو الخبراء أو الهيئات فوق الوطنية خلف الأبواب المغلقة؛ 4) اتساع الفجوة بين النخب السياسية والأحزاب من جهة والناخبين الوطنيين من جهة أخرى؛ 5) تراجع الحريات المدنية، بما في ذلك حرية الإعلام وحرية التعبير.

يبين الكاتب أنه لا يوجد اتفاق عالمي موحد على ما تعنيه الديمقراطية الليبرالية، فعلى مدى الأربعمئة عام الماضية، ظهرت اتفاقيتان رئيسيتان على تعريف الليبرالية بين أولئك الذين وضعوا الحقوق والحريات الشخصية كعناصر أساسية للديمقراطية الليبرالية وأولئك الذين يعتقدون أن المسؤوليات والواجبات المجتمعية يجب أن تهيمن. عادة، في سياسات ثقافة شمال الأطلسي في المئة عام الماضية، تجلت هذه الاختلافات على أنها دعم للأحزاب السياسية ذات الميول اليسارية أو ذات الميول اليمينية.

يرى المؤلف أن المعتقدات المتشددة والمحافظة لليمين المسيحي الإنجيلي كان لها التأثير الرئيسي على السياسات المعادية للمجتمع لإدارة ترامب في الولايات المتحدة، والشيء نفسه لا ينطبق على الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ينتمي إلى يمين الوسط بزعامة أنجيلا ميركل في ألمانيا. في الواقع، كانت ميركل والاتحاد الديمقراطي المسيحي من قاد الجهود الأوروبية لاستقبال واستيعاب ما يقدر بنحو 1.5 مليون لاجئ، يبحثون عن اللجوء في أوروبا بعد ثورات «الربيع العربي» والحروب الأهلية عام 2011. تحت إدارة ميركل، استقبلت ألمانيا وحدها أكثر من مليون لاجئ، معظمهم من سوريا.

صعود النزعات القومية

كانت مأساة الديمقراطية على مدى السنوات ال30 الماضية هي تآكل المركز؛ حيث فقدت الأحزاب السياسية والمؤسسات، بدرجة أو بأخرى، الاتصال بقطاعات كبيرة من مجتمعاتها. جذبت الاشتراكية والشيوعية بشكل مفاجئ عدداً قليلاً من هؤلاء الناخبين المهجورين، وهو ما حدث سابقاً خلال معظم القرن العشرين. اختار البعض المصالح الخاصة، مثل أحزاب الخضر، ولكن في الأغلب، تحول المواطنون المحبطون إلى اليمين، باحثين عن العزاء في الحلول القومية والدينية والشعبوية لمظالمهم. غذت روح التظلم هذه الحملة لمغادرة المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي، ظاهرياً لاستعادة السيطرة على شؤونها الخاصة؛ وحافظت على حكم فيكتور أوربان، الذي كانت سياسته غير استثنائية عندما كان رئيساً لوزراء المجر من 1998 إلى 2004، لكنه انجرف إلى أقصى اليمين منذ عودته إلى السلطة في عام 2010. تقريباً تضم كل البرلمانات الأوروبية الآن أعضاء من أحزاب اليمين المتطرف، وتشكل في بعضها جزءاً من الائتلافات الحاكمة.

خارج أوروبا، شهدت كندا ونيوزيلندا وأستراليا ارتفاعاً في شعبية اليمين المتشدد. في ديمقراطيات أخرى، كانت هناك حركات مماثلة. وكان التوق العام لإيجاد حلول لمشكلات اجتماعية معقدة قد جذب الناخبين في الفلبين والبرازيل إلى العلاجات السهلة التي وصفها رودريغو دوتيرتي وجايير بولسونارو. والواضح أنه حتى الآن بينما كانت هناك تحولات في اليمين السياسي أو القومي في العديد من البلدان، لم يكن هناك إطاحة مباشرة وحاسمة للديمقراطية أو المؤسسات الديمقراطية.

يقول المؤلف: أثناء كتابتي هذا العمل في مايو/ أيار 2020، أصبحت بعض الديمقراطيات الراسخة على حافة الهاوية، وقد لعبت جائحة كورونا دوراً في السماح للشعبويين بأن يصبحوا مستبدين محتملين. استندت الديمقراطيات عبر شمال الأطلسي إلى قوانين حالة الطوارئ من أجل أن تكون قادرة على مواجهة الوباء بالرشاقة والسيطرة اللازمتين. وهناك قلق واسع النطاق من أنه بمجرد انتهاء الأزمة، سيتردد بعض القادة في التخلي عن سلطتهم المطلقة أو سيبقون بعض العناصر الأكثر فائدة في مكانها، مثل السيطرة التحريرية على وسائل الإعلام. هناك أسباب معقولة لهذه الشكوك. مثلاً في تركيا، عمل الرئيس رجب طيب أردوغان على مدار عشرين عاماً على إزالة الضوابط والتوازنات المؤسسية للقضاء والمعارضة السياسية والجيش والإعلام. لقد حقق نجاحاً كبيراً في جمع القوة التي لا يمكن تحديها بسهولة. ومع ذلك، ليس من الواضح بعد ما إذا كان قد هدم بشكل قاطع أركان الديمقراطية في تركيا، والتي، في الحقيقة، لم يتم تأسيسها بشكل راسخ من البداية.

ترامب وتقويض الديمقراطية

في الولايات المتحدة، عمل دونالد ترامب بجد لتجاوز الضوابط والتوازنات في النظام السياسي لهذا البلد. لقد حاول إدارة الحكومة بنفس النوع من الأداء الذي قدمه لدوره في البطولة في برنامج تلفزيون الواقع (The Apprentice). بعد ثلاث سنوات في المنصب، يبدو أنه نجح في تكثيف المشاعر المناهضة للحكومة بين مؤيديه الذين كانوا بالفعل مرتابين فلسفياً من المؤسسة الحاكمة في واشنطن بكل مظاهرها. في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2019، ظهر رد الفعل الدستوري على أي محاولات للحكم السلطوي على الأرض، وتم عزل ترامب من قبل مجلس النواب. في 16 يناير/ كانون الثاني 2020، تم وضع بنود الإقالة، وإرسالها إلى مجلس الشيوخ للمحاكمة. لكن ترامب رجل بارع. لقد أثبتت التكتيكات التي تعلمها في مجال الأعمال التجارية بصوت عالٍ وبإصرار إنكار الحقيقة، والرد بقوة عند التحدي، وتحويل الانتباه سريعاً إلى بعض الإجراءات الأخرى، الأكثر غرابة، والمفيدة للسياسة. إن إقناعه للحزب الجمهوري بالخضوع البسيط هو أمر غير عادي. لم يكن هناك أي شك في أن مجلس الشيوخ الذي كان يسيطر عليه الجمهوريون سيتجاهل الأدلة الجوهرية على إساءة ترامب لمنصبه، ويلغي التهم الموجهة إليه. مثل كل الذين سيصلون إلى السلطة في الديمقراطيات، أدرك ترامب أن سيادة القانون والقضاء المستقل هما أكبر التهديدات لطموحاته. اقتداء بروبرت موجابي في زيمبابوي وأردوغان في تركيا، قام ترامب بتحييد وزارة العدل، وشن حملة متواصلة، لتشويه سمعة وكالات القانون مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي، بحسب الكاتب.

ويقول: من بين جميع الديمقراطيات في شمال الأطلسي، أنا أكثر تشاؤماً بشأن قدرة الولايات المتحدة على إصلاح وإنعاش مؤسساتها. إنها تمر بالفعل بأزمة مدنية وسياسية كارثية، ولكن لا توجد حتى الآن مؤشرات على أي حزب سياسي أو جماعة أو فرد يدرك تماماً الخطر الذي تتعرض له البلاد، ناهيك عن امتلاك رؤية لكيفية قلب المسار. كان ترامب نتاجاً عميقاً وغير قابل للمصالحة داخل المجتمع الأمريكي. هذه الانقسامات هي علف سهل لتجار الخوف والكراهية والعنف في الولايات المتحدة التي تمتلك نصيبها العادل منهم. تقترب الولايات المتحدة من لحظة يتعين عليها فيها الاعتراف بأن هيكل السياسة والحكومة الذي حلم به الآباء المؤسسون في نهاية القرن الثامن عشر لم يعد يصلح لهذا الغرض. إذا أريد للديمقراطية أن تستمر في أمريكا، فإن الإصلاح الجذري وإعادة الإعمار ضروريان.

ويضيف: كان من المقرر أن يكون عام 2020 هو العام الذي تدخل فيه المنافسة من أجل بقاء الديمقراطية الليبرالية في بلدان شمال الأطلسي مرحلة أكثر كثافة، لكن مع اندلاع جائحة كورونا وتداعياتها، تبين أن الديمقراطية يمكن أن تكون ضعيفة إذا تُركت من دون رعاية، فإن قوة المبادئ الديمقراطية يمكنها أن تتطور وتتكيف مع متطلبات تغيير المجتمع. فالقدرة على التكيف هي واحدة من أعظم نقاط القوة في الديمقراطية، لكن الناس الذين يعيشون في الديمقراطيات يجب أن يعملوا من أجل هذه التغييرات، عليهم أن يتلاعبوا بآلية مجتمعهم، لحمايته وتوجيهه إلى حيث يريدون الذهاب. 

الديمقراطية قادرة بشكل جيد على مواجهة التحديات التي تواجهها الآن، وهناك بعض المؤشرات على أن الهجوم المضاد جارٍ حقاً. تتطلب الاستجابة قدراً كبيراً من الطاقة والتوجيه أكثر مما هو واضح حاليا.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
جورجيو أغامبين
1
ميغان أ.كارني
1
ستيفن فريدمان

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
ويل أديبانوي وروجرز أوروك
1
كارو بولدينغ وكلاوديو أ.هولزنر
1
جوسي هانهيماكي
1
باربارا أ. جانسون
1
تيد أ. هينكن وسارة غارسيا سانتاماريا
1
تيري إل.كاراوي و ميشيل فورد
1
أولواسيون تيلا
1
بول ميدفورد
https://tinyurl.com/578ecbr9