أين نحن الآن؟

وباء «كوفيد- 19» في السياسة
22:31 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
2
جورجيو أغامبين
جورجيو أغامبين فيلسوف إيطالي معاصر ومنظّر سياسي نالت أعماله إشادة من النقاد وتُرجمت إلى لغات عديدة. يكتب في عدد من الدوريات العالمية.

عاشت إيطاليا أياماً عصيبة عندما ارتفعت مستويات الإصابات بوباء كورونا. تلك الموجة العنيفة خلفت آثاراً على كافة أشكال الحياة، وأسست لعلاقات جديدة في السياسة مرتبطة بالصحة. يتناول هذا الكتاب موقع إيطاليا في الوباء، وتأثير الأوبئة على السياسة والاقتصاد، وكيفية اتخاذ القرارات على مستوى الدول في الأوقات العصيبة.

يعكس هذا الكتاب (صادر عن دار «رومان آند ليتلفيلد بابليشرز» بترجمة فاليريا داني من الإيطالية إلى الإنجليزية، في مايو 2021 ضمن 104 صفحات) التحول الكبير الذي يؤثر في الديمقراطيات الغربية؛ إذ يرى المؤلف أنه باسم الأمن البيولوجي والصحة، يستسلم نموذج الديمقراطية البرجوازية في كل مكان لاستبداد جديد؛ حيث يقبل المواطنون في العالم قيوداً غير مسبوقة على حرياتهم. يطرح الكتاب سؤالاً: أين نحن الآن؟ وأيضاً: إلى متى سنقبل العيش في حالة استثنائية ممتدة من دون نهاية واضحة؟

يعمل الفيلسوف الإيطالي الشهير جورجيو أغامبين على المبدأ القائل بأن من هم في السلطة لن يسمحوا لأزمة جيدة أن تذهب سدى؛ بل سيغتنمونها للمضي قدماً في الممارسات والسياسات التي تتوافق مع أجندتهم السياسية. يقدم أغامبين تعليقاته القاسية والعاطفية والشخصية العميقة على حالة الطوارئ الصحية لعام 2020 في إيطاليا وفي جميع أنحاء العالم.

تغيير النماذج السياسية

يعتبر ما يقدمه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في هذا العمل أحد أكثر الردود الأكاديمية أهمية على ما حدث خلال فترة جائحة كورونا في بلده إيطاليا. يتكون العمل من سلسلة من المقالات القصيرة والمقابلات التي كتبت وأجريت حتى نوفمبر 2020، وذلك قبل طرح اللقاحات المختلفة في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من الأسئلة والشكوك حول الوباء وما يخبئه المستقبل.

يقول: «إنها تدخلات هادفة، وجيزة جداً أحياناً، تحاول التفكير في العواقب الأخلاقية والسياسية لما يسمى «الوباء»، وفي نفس الوقت، لتحديد التحول في النماذج السياسية التي أحدثتها تدابير الاستثناء»، ويضيف: «بعد مرور عام تقريباً على حالة الطوارئ، يجب أن ننظر في الأحداث التي شهدناها من منظور تاريخي أوسع. إذا كانت القوى التي تحكم العالم قد قررت استخدام هذا الوباء سواء كان حقيقياً أم محاكاة، كذريعة لتحويل نماذج حكمهم من الأعلى إلى الأسفل، فهذا يعني أن تلك النماذج كانت في حالة تدهور تدريجي لا مفر منه، وبالتالي تلك القوى لم تعد مناسبة للغرض».

خلال أزمة القرن الثالث التي زعزعت استقرار الإمبراطورية الرومانية، أطلق دقلديانوس وقسطنطين، سلسلة من الإصلاحات الجذرية لهياكلها الإدارية والعسكرية والاقتصادية، ما أدى إلى تغييرات بلغت ذروتها في الحكم المطلق البيزنطي.

ويشير إلى التاريخ قائلاً إنه «وبنفس الطريقة، قررت القوى المهيمنة اليوم التخلي بلا رحمة عن نموذج الديمقراطية البرجوازية، بحقوقها وبرلماناتها ودساتيرها، واستبدالها بأجهزة جديدة بالكاد نستطيع رؤية ملامحها. في الواقع، ربما لا تكون هذه الخطوط واضحة تماماً حتى لأولئك الذين يرسمونها. ومع ذلك، فإن السمة المميزة لهذا التحول الكبير الذي يحاولون فرضه هي أن الآلية التي تجعله ممكناً رسمياً ليست مجموعة جديدة من القوانين، لكنها حالة استثنائية». يظهر التحول، في ضوء ذلك، أوجه تشابه مع ما حدث في ألمانيا عام 1933، عندما أعلن المستشار الجديد أدولف هتلر - من دون إلغاء دستور فايمار رسمياً - حالة الاستثناء التي استمرت لمدة اثني عشر عاماً، وأبطلت فعلياً المقترحات الدستورية التي كانت ظاهرياً لا تزال سارية. في الوقت الذي كان من الضروري في ألمانيا النازية نشر جهاز أيديولوجي كلي صريح لتحقيق هذه الغاية، فإن التحول الذي نشهده اليوم يعمل من خلال إدخال إرهاب مدفوع بالتهديد الصحي. ما كان يعتبر، في تقاليد الديمقراطية البرجوازية، الحق في الصحة، أصبح على ما يبدو دون أن يلاحظ أحد التزاماً دينياً قانونياً يجب الوفاء به بأي ثمن».

يمكننا استخدام مصطلح «الأمن البيولوجي» لوصف الجهاز الحكومي الذي يتكون من دين الصحة الجديد هذا، المرتبط بسلطة الدولة وحالتها الاستثنائية، وهو الجهاز الذي ربما يكون الأكثر كفاءة من نوعه الذي عرفه التاريخ الغربي على الإطلاق. لقد أظهرت التجربة في الواقع أنه بمجرد وجود تهديد للصحة، يكون الناس على استعداد لقبول قيود على حريتهم لم يفكروا بها أبداً حتى خلال الحربين العالميتين، ولا في ظل الديكتاتوريات الشمولية. سيتم تذكر حالة الاستثناء على أنها أطول تعليق للشرعية في التاريخ الإيطالي تم تنفيذه بالكامل دون اعتراضات من المواطنين أو بشكل كبير من مؤسساتهم. بعد الصين، أصبحت إيطاليا المختبر الغربي؛ حيث أجريت التجارب في التقنيات الحاكمة الجديدة بأشكالها الأكثر تطرفاً. من المحتمل أنه عندما يفهم المؤرخون المستقبليون ما كان على المحك حقاً في هذا الوباء، ستظهر هذه الفترة كواحدة من أكثر اللحظات المخزية في التاريخ الإيطالي، وأولئك الذين قادوها وحكموا خلالها كأفراد متهورين.

يقول المؤلف: «إذا كان الجهاز القانوني - السياسي للتحول العظيم هو حالة الاستثناء، والجهاز الديني هو العلم، فقد اعتمد هذا التحول على المستوى الاجتماعي لفاعليته على التكنولوجيا الرقمية التي، كما هو واضح الآن، تعمل في انسجام مع الهيكل الجديد من العلاقات المعروفة باسم «التباعد الاجتماعي». يجب أن تحدث العلاقات الإنسانية، في كل مناسبة وبقدر الإمكان، بدون وجود مادي. سيتم إهمالها كثيراً كما كان يحدث بالفعل للأجهزة الرقمية التي أصبحت أكثر فاعلية وانتشاراً. النموذج الجديد للعلاقة الاجتماعية هو الارتباط الرقمي، وكل من ليس مرتبطاً يميل إلى أن يُستبعد من العلاقات ويُحكم عليه بالتهميش. ما هو مؤكد هو أن أشكالاً جديدة من المقاومة ستكون ضرورية، وأولئك الذين ما زالوا قادرين على تصور سياسة قادمة يجب أن يلتزموا بها دون تردد. لن يكون للسياسات القادمة شكل عفا عليه الزمن للديمقراطية البرجوازية، ولن يحل محله شكل الاستبداد التكنولوجي والصحي».

هياكل حكم جديدة

لأن أغامبين، كان يكتب خلال المراحل الأولى من الوباء، فمن السهل التعرف إلى القيود المختلفة التي كان يشير إليها، لاسيما حظر أي شكل من أشكال التجمعات الاجتماعية والمناسبات العامة وإغلاق أماكن الترفيه. ما الذي خلق السياق الذي كان فيه الكثير منا على استعداد لقبول ذلك؟ كان الخوف. أظهرت الموجة الأولى من الذعر في إيطاليا أن المجتمع لا يؤمن بأي شيء سوى «الحياة المجردة»، ويتضح ذلك من خلال حقيقة أن الإيطاليين على استعداد للتضحية بكل شيء تقريباً.. ظروف الحياة، والعلاقات الاجتماعية، وعملهم، وحتى الصداقات إضافة إلى الطقوس الدينية والعلاقات الاجتماعية، والالتزامات السياسية، عند مواجهة خطر الإصابة بالمرض.

ما حل مكان الوجود المادي المباشر بالطبع هو العمليات الرقمية التي تتوسط الآن العلاقات من جميع الأنواع، ليس فقط الشخصية والخاصة؛ بل أيضاً المهنية والتعليمية. يتم تقديم العمل من المنزل كبديل للمخاطرة بالحضور الحقيقي للزملاء أو العملاء. أبعد من ذلك هو القضية السياسية الأوسع لتأثير ذلك على الفضاء العام والخطاب العام. إذا لم نعد قادرين على الالتقاء شخصياً أو في مجموعات للانخراط في محادثة مفتوحة، يصبح من الأسهل على القوى الخارجية التحكم والتلاعب بالأفراد المنفردين المحرومين من الاستفادة من النقاش الأوسع.

قد يجادل المرء بأن الأمور ستعود إلى طبيعتها في الوقت المناسب، لكن أغامبين، يجد أن هذا لن يحدث. أحد الأسباب في رأيه هو أن الناس سيبدأون في التشكيك بأنماط حياتهم وقيمهم؛ حيث يصبح من الواضح أن الكثير من الزخارف الخارجية في حياتنا غير ضرورية، وتغذي ببساطة الرأسمالية الاستهلاكية وتسبب ضرراً».

يستخدم الكاتب مصطلح «الأمن الحيوي» لوصف ما يجري؛ إذ يشير إلى أنه بمجرد أن تتعرض صحتنا لتهديد ما، فإننا على ما يبدو مستعدون لقبول القيود المفروضة على حرياتنا التي لم يكن من الممكن تصورها حتى قبل بضعة أشهر. لم تكن حتى حربان عالميتان أو في الواقع العديد من الأنظمة الاستبدادية ستقنع عامة الناس بالخضوع لمثل هذه التضحيات.

ويرى أن محور هذه العملية هو نشر التكنولوجيا الرقمية، والعمل بانسجام مع الهيكل الجديد للعلاقات المعروف باسم «التباعد الاجتماعي». يجب أن تحدث العلاقات الإنسانية قدر الإمكان دون حضور مادي، وهذا يعتمد على الوساطة الرقمية. كان هذا قائماً فيما مضى، لكن تم تسريعه من خلال الاستجابة للوباء؛ حيث يكون النموذج الجديد هو نموذج الاتصال، أو بالنسبة للبعض، الانفصال. في الوقت الذي يترسخ فيه هذا التحول ما بعد الرقمي بشكل افتراضي تقريباً، ستحتاج إلى تطوير أشكال جديدة من المقاومة، تلك التي لن تعود إلى أنماط الحكم البرجوازية القديمة.

تهديدات وقرارات

يعزو أغامبين، الكثير من الاستجابة للوباء إلى هيمنة السياسة الحيوية؛ حيث إن ما هو على المحك هو الحياة البيولوجية، بمعنى أن «العنصر الجديد هو أن الصحة أصبحت التزاماً قانونياً يجب الوفاء به بأي ثمن». لقد حدث هذا جزئياً لأنه يُسمح الآن للعلم أن يكون القوة الدافعة وراء القرارات السياسية، ولأن البيانات هي التي ستحدد ما يُسمح لنا بفعله ومتى. عندما يتم تقليص حياتنا إلى البيانات، هل تستحق الحياة أن نعيشها؟ إن التنازل عن الخير لحفظ الخير أو الحفاظ عليه مبدأ باطل ومتناقض. نحن نتنازل عن الحرية من أجل حمايتها. إن الخوف من المرض والموت بالطبع هو الذي حدد هذا الاستعداد للتخلي عن العلاقات الاجتماعية، لكن هل هذه هي الطريقة التي نعيش بها حياتنا؛ حيث توجد دائماً العديد من التهديدات الأخرى على الرغم من أن هذا التهديد بالذات قد يتلاشى بمرور الوقت؟

يركز أغامبين، على قضية العلم باعتباره الدين الجديد، ويشير إلى مخاطر تسليم القرارات الأخلاقية والسياسية إلى أولئك الذين يسعون إلى أبحاثهم الخاصة على حساب اعتبارات أخرى. يجادل بأنهم، مثل اللاهوتيين، يدافعون عن تفسيرات مختلفة ومتضاربة في كثير من الأحيان، ثم يحاولون السيطرة على حياتنا على هذا الأساس. علاوة على ذلك، توجد أسئلة عن الحقيقة والموثوقية، والصعوبات التي يواجهها الشخص العادي في فهم وتفسير الإحصاءات التي يتم تقديمها إلينا يومياً. كيف لنا أن نعرف أن الأرقام صحيحة، أو نتساءل عن طرق تشكيلها؟ نحن مستهلكون سلبيون لتقارير وسائل الإعلام تماماً مثل الإعلانات، ومع ذلك فإن أي استفسار عن الإحصاءات يعتبر عملاً من أعمال اللامسؤولية المدنية. على وجه الخصوص، أصبح العلم المتجسد في الطب هو العامل المهيمن الآن.

تقييد الحياة العامة

يرى أغامبين، أنه يتم تقديم كل شيء الآن على أنه محاولة لإعادة الحياة إلى طبيعتها في أسرع وقت ممكن، وهذا يعني في الواقع إعادة الشركات إلى جني الأرباح وعودة الأشخاص إلى العمل إما رقمياً أو شخصياً. ولكن ماذا عن التغييرات الأخرى التي تم إجراؤها إلى جانب النشاط التجاري والذي سيستمر في التأثير على رفاهيتنا الاجتماعية والشخصية؟

يقول الكاتب: «التأثير طويل المدى لهذه الأشياء لم يظهر بعد، خاصة بالنسبة للأجيال الشابة التي أصبحت تعاني هذا الاضطراب الكبير كقاعدة. بينما يبدو أن التجمعات الكبيرة في الأحداث الرياضية قد عادت، ربما بسبب الأموال التي تخصص لها، ولأنها قد تحمل تأثيراً إيجابياً على الروح المعنوية العامة، لا تزال التجمعات الشخصية الأخرى تخضع للقيود بطرق تبدو غير متسقة. لذلك هناك وهم الحياة الطبيعية إلى جانب القيود المستمرة على الأشكال الأخرى للنشاط الاجتماعي والسياسي البشري.

يجادل أغامبين، بأنه يتم إعادة تعريف مفهوم المواطنة بمهارة؛ حيث يتم اختزال المواطنين إلى الوجود البيولوجي المجرد - أو ربما كمجرد مصادر دخل للمنظمات الكبيرة. ويرى أن شركات التكنولوجيا الكبيرة هي التي استفادت أكثر من غيرها من رقمنة العديد من جوانب حياتنا، بما في ذلك مسار الخدمات الصحية نفسها. ويقول: «كانت هذه العمليات جارية في السابق، لكن تم تسريعها كنتيجة للوباء إلى الحد الذي يُجبر فيه عامة الناس على الامتثال على أساس أنه لن تكون هناك بدائل».

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
ميغان أ.كارني
1
ستيفن فريدمان

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
ويل أديبانوي وروجرز أوروك
1
كارو بولدينغ وكلاوديو أ.هولزنر
1
جوسي هانهيماكي
1
باربارا أ. جانسون
1
تيد أ. هينكن وسارة غارسيا سانتاماريا
1
تيري إل.كاراوي و ميشيل فورد
1
أولواسيون تيلا
1
بول ميدفورد
https://tinyurl.com/4yzutcw9