عادي

«أفترلايف أوف ذا بارتي»..دعوة إلى محاسبة الذات

إعادة تدوير لقصة في السينما الأمريكية
00:02 صباحا
قراءة 4 دقائق
كاسي وليزا تتعاونان في المهمة
1
كاسي وفال في جولة استكشاف قبل بدء المهمة

مارلين سلوم
التكرار أكثر من الابتكار في السينما، فنادراً ما تدهشنا فكرة فنشعر بأنها غير مألوفة وتنم عن رغبة في التجديد والتطوير، ولم يعد معيباً أو مسيئاً لمؤلف ومخرج أن يعملا على «إعادة تدوير» قصص وحكايات استهلكتها السينما وشاهدتها الأجيال كلها إنما بأسماء وقوالب مختلفة. فيلم «أفترلايف أوف ذا بارتي» الذي أطلقته حديثاً منصة «نتفليكس»، تشعر بأنك شاهدته سابقاً، لأنه يشبه الكثير من الأفلام التي تتناول الموت المبكر، أو المفاجئ لشخص عزيز بطريقة خيالية رومانسية تجنح إلى «الفانتازيا»، ويتميز بنفحة الكوميديا، وبأنه مناسب للعائلة.

حين نقول إن الفكرة ليست جديدة، بل مستهلكة جداً، فإن مشاهدة هذا الفيلم تستدعي مجموعة أفلام تخزنها ذاكرتك وتعود إلى سنوات بعيدة، مثل الفيلم الموسيقي الكوميدي «داون تو أورث» (1947) بطولة ريتا هيوارث ولاري باركس ومارك بلات، والذي أراده المخرج ألكسندر هول أن يكون مكملاً لفيلمه السابق «هنا يأتي مستر جوردان» (1941)، وأفلام «إنها حياة رائعة»، و«السماء يمكن أن تنتظر»، و«الشبح» وغيرها.. حيث اشتهرت السينما الأمريكية بتقديم حكايات عن عودة الأموات بأرواحهم ليطوفوا حول أفراد عائلاتهم، وأحياناً أصدقائهم المقربين والمفضلين. ودائماً يسرح المؤلفون بخيالهم ليبنوا قصصاً عاطفية وإنسانية مؤثرة يتعاطف معها الجمهور من دون أن يصدّقها أو تشغل باله بعد انتهاء عرض الفيلم، باستثناء البعض القليل منها، وامتدت الفكرة لتصل إلى أفلام الكرتون وقد نجح فيلم «سول»، أو «روح» (2020) في حصد جائزتي أوسكار وتحقيق نجاح جماهيري وإيرادات عالية.

تسلية

«أفترلايف أوف ذا بارتي» إخراج ستيفن هيريك تأليف كاري فريدل، ليس من الأفلام التي تستحق جوائز، بل هي ممتعة ومسلية لأمسيات عائلية ومشاهدة تلفزيونية. فيكتوريا جاستيس تؤدي دور الفتاة كاسي التي تستعد للاحتفال بعيد مولدها الخامس والعشرين، حيوية مفعمة بالنشاط وحب الحياة، تحب الخروج والسهر مع مجموعة أصدقاء، على عكس زميلتها في الغرفة وصديقتها المقربة جداً منذ أن كانتا طفلتين في الصف الأول، ليزا (ميدوري فرانسيس)، فهي خجولة وغير اجتماعية وتحاول إقناع كاسي بالاحتفال بعيد مولدها في المنزل وبهدوء، بينما كاسي تصمم على الخروج مع مجموعة من الأصدقاء الذين لا تحبهم ليزا وتفضل الابتعاد عنهم. ينتهي الأمر بالخروج للاحتفال والسهر حتى وقت متأخر من الليل، بينما تعترض ليزا وتعود وحيدة إلى الشقة.

هذه الليلة كانت غريبة بكل ما فيها، تتشاجر كاسي وتتهم ليزا بأنها مملة، وأنها لم تعد تحتمل العيش معها، ثم تنفصلان وتعود ليزا إلى غرفتها بينما تكمل كاسي سهرتها مع مجموعة «أصدقاء السوء». تعود في وقت متأخر، وحين تستيقظ في الصباح يقع لها حادث في الحمام فيرتطم رأسها بالمرحاض وتموت.

تستيقظ لتجد نفسها في غرفة غريبة وتكتشف أنها متوفاة منذ نحو عام بحساب الأرض. ملاكها الحارس فال (النجمة روبين سكوت بدور ظريف وجيد)، تبلغها بأنها ماتت، ولم يعد أمامها سوى خمسة أيام لتصحيح الأخطاء التي ارتكبتها على الأرض. وتسلمها قائمة فيها ثلاثة أسماء لأقرب الأشخاص إليها: صديقتها ليزا، ووالدها هوي (آدم جارسيا) المنفصل عن أمها منذ طفولتها، وهو مدرب «يوجا»، وأمها (جلوريا جارسيا) التي تركتها وهي طفلة صغيرة لتجول العالم وتستمتع بحياتها.

يجب عليها أن تتصالح مع والدها الذي أهملته وتذمرت لأنه «يبالغ في حمايتها»، كما كانت تقول، وكانت تسخر من عمله كمدرب «يوجا» ومن شهرته على مواقع التواصل الاجتماعي. مهمة صعبة أن تعيد إصلاح علاقتها بوالدتها التي ترفض رؤيتها لشدة غضبها منها، فهل تستطيع مسامحتها؟ وهل تتمكن من تغيير الواقع ليكون أفضل؟ كاسي أمام اختبار صعب، عليها العودة إلى الأرض لإصلاح الوضع مع صديقتها ووالديها كي تنتقل من محطة الانتظار الموجودة فيها حالياً، ويسمونها «إن بيتوين»، أي بين منطقتين، إلى الجنة إذا فعلت الصواب والتزمت بقائمة الأسماء والوقت المحدد لها وأصلحت أوضاعها مع هؤلاء الثلاثة، وإلا يكون مصيرها الجحيم.

يبتعد الفيلم عن أي معتقدات دينية ويجعل الأمر فانتازيا مسلية كل ما فيها يرمز إلى أن أفعال الإنسان هي التي تحدد نهايته إذا ما كانت في النعيم، أم في الجحيم. كما ترمز أيضاً إلى أهمية الانتباه إلى ما يقوله المرء ويفعله وهو حي على الأرض، لأن لا أحد يعلم متى تأتي الساعة وتكون مباغتة ومفاجئة ولا يتسنى له الاعتذار أو تصحيح شيء أو الندم على ما فعل.

تشويق

القصة لا تخلو من التشويق، والمخرج ستيفن هيريك تعامل معها ببساطة فجعل الفيلم مريحاً وممتعاً للمشاهدة بلا أي تعقيدات، أو فذلكات؛ إنما هناك تناقضات في شخصيتي البطلتين الرئيستين كاسي وليزا لا يمكن أن تؤدي إلى توافق بين الفتاتين لدرجة أن تصبحا أفضل صديقتين مقربتين منذ الطفولة، وحتى الخامسة والعشرين. ليزا عالمة آثار ديناصورات تعمل في متحف، شديدة الخجل والانطواء، بينما كاسي شديدة الحيوية، ولكنها لا تعلم شيئاً عن طبيعة عمل صديقتها. تبدأ رحلة كاسي بعودتها إلى شقتهما المشتركة حيث تتمكن ليزا من رؤيتها بفضل شدة الارتباط الروحي بينهما. تصاب بذعر في البداية ثم تستوعب وتحاول مساعدة صديقتها في تحقيق المطلوب منها والنجاح في التحدي. فيكتويا جاستيس ناجحة بهذا الدور، كذلك شريكتها في البطولة ميدوري فرنسيس التي تشع فرحاً وبساطة. الهدف من الفيلم واضح، فهو بجانب التسلية يقدم دعوة للناس إلى محاسبة الذات عن قناعة والاعتراف بالخطأ كي يتمكن المرء من الإصلاح قبل فوات الأوان.

لا يمكن لإنسان الحصول على فرصة ثانية لتغيير ما فات وهو ميت، إلا في خيال صناع الأفلام السينمائية حيث تصبح كلمة «يا ليت» مجرد أمنية قابلة للتحقق وسريعاً، والسحر ينعكس على المشاهدين إيجاباً فيرتاحون تلقائياً وهم يعلمون أنها خدعة، إنما مبهجة نفسياً، حتى ولو كانت النهاية ساذجة تشبه الحكايات الأسطورية والأفلام الطفولية.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/3mmz6asb