لا ناقة لهم ولا جمل

00:46 صباحا
قراءة 3 دقائق

سليمان جودة

عندما تنعقد الانتخابات الألمانية البرلمانية في السادس والعشرين من هذا الشهر، سيكون انعقادها هو الحد الفاصل بين وجود المستشارة أنجيلا ميركل في السلطة على مدى ١٦ عاماً متواصلة، وبين عودتها إلى البيت لتفكر في «لا شيء»، على حد تعبيرها حين سألوها مؤخراً عما ستفعله بعد أن تغادر.

ورغم نشاطها الظاهر خلال الأيام الأخيرة، ورغم أن هذا النشاط قد ذهب بها إلى أكثر من عاصمة في زيارات وداعية متتابعة، إلا أني توقفت أمام زيارتها إلى العاصمة البولندية وارسو بالذات.. والسبب أنها ركزت أثناء الزيارة على موضوع محدد غلب على سواه من الموضوعات.

الموضوع كان عن التهديدات التي أطلقها الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، بإطلاق المهاجرين غير الشرعيين على حدود الاتحاد الأوروبي، رداً على عقوبات كان الاتحاد من جانبه فرضها على بيلاروسيا التي كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

والقصة في الموضوع ليست في أن الأوربيين فرضوا عقوبات على لوكاشينكو، فقد فعلها الأوربيون من قبل مرات ومرات مع عواصم كثيرة، ولا حتى القصة في أن بيلاروسيا قررت الرد على العقوبات، فمن حق كل عاصمة بالتأكيد أن ترد على أي عقوبات يجري توقيعها عليها.

القصة هي في أن يكون المهاجرون غير الشرعيين، أياً كانت جنسيتهم، أداة يتم استخدامها في معركة لا علاقة لهم بها، ولا ناقة لأحد منهم فيها ولا جمل.

ومن قبل.. كان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، استخدم ورقة المهاجرين غير الشرعيين بطريقته، حصل ذلك في معركته المتواصلة مع الاتحاد الأوروبي نفسه، سواء في سبيل رغبته في استئناف مفاوضاته مع الأوربيين لقبول بلاده عضواً في الاتحاد، أو في سبيل الحصول على أكبر قدر ممكن من المساعدات المالية التي توافق عليها المفوضية الأوربية في بروكسل مضطرة.

والمتابعون لهذا الملف التركي- الأوروبي، يعرفون أن المفوضية أقرت قبل أيام تقديم ثلاثة مليارات يورو إلى أنقرة، لعلها تحتفظ بالمهاجرين غير الشرعيين على أرضها، ولعلها تحتجز اللاجئين إليها داخل حدودها، فلا يواصلون طريقهم إلى داخل أوروبا.

وليست هذه هي المرة الأولى في هذا الطريق فيما بين تركيا والاتحاد.. فمن قبل كانت هناك مبالغ ضخمة أقرها ودفعها الأوربيون، خصوصاً في مرحلة ما بعد عام ٢٠١٥، عندما زاد التدفق من المهاجرين السوريين نحو الأراضي التركية.

وكان الأمل أن يتوقف هذا الاستخدام غير الإنساني وغير الآدمي للمهاجرين غير الشرعيين عند حدود تركيا، الذي اشتهر في المنطقة بطريقته البراجماتية في هذا الملف، وفي غيره من الملفات، لولا أن سوء حظ الملايين من المهاجرين غير الشرعيين قادهم إلى أن يذهبوا إلى أرض بيلاروسيا، متصورين أنها ستتعامل معهم بما يراعي ظروفهم الإنسانية الصعبة، فإذا بهم يقعون ورقة للمساومة في يد الرئيس لوكاشينكو.

وإذا كانت الأمم المتحدة تضم فيما تضم بين أجهزتها الفرعية، منظمة خاصة باللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، فهذه المنظمة يجب أن يكون لها صوت مسموع في ما تمارسه بيلاروسيا، وفي ما قد تمارسه أي دولة سواهما في المستقبل، لأن الوجه الإنساني للأمم المتحدة لا بد أن يعلو هذه الأيام على باقي الوجوه التي تظهر بها على العالم.

[email protected]

 

 

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"