مشكلة روسيا مع ألمانيا

الصراع من أجل التوازن في أوروبا
21:41 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
2
2

عن المؤلف

الصورة
2
جون لوف
جون لوف زميل مشارك في برنامج روسيا وأوراسيا في تشاتام هاوس (منذ عام 2009) ومعلق منتظم في الشؤون الروسية والأوكرانية. أمضى ست سنوات مع حلف «الناتو» في إدارة برامج المعلومات الموجهة إلى وسط وشرق أوروبا، بما في ذلك تعيينه في موسكو؛ حيث أسس مكتب معلومات «الناتو» في روسيا، وكان أول مسؤول في الحلف يقيم هناك بشكل دائم

مع استمرار تآكل نظام الحوكمة العالمي بقيادة الغرب، تتعارض مصالح ألمانيا مع أهداف روسيا لإعادة ضبط توازن النظام الدولي وإعادة التفاوض بشأن الترتيبات الأمنية الأوروبية المتفق عليها في نهاية الحرب الباردة. يناقش الكتاب العلاقة الألمانية - الروسية، وكيفية العمل على تحقيق التوازن على الرغم من الإشكاليات التاريخية.

كقوة أوروبية لا غنى عنها، تجد ألمانيا نفسها مسؤولة بشكل متزايد عن تشكيل السياسة الغربية تجاه روسيا؛ حيث تقلص أمريكا دورها في الشؤون الأوروبية في عالم فقد فيه الغرب سلطة أخلاقية كبيرة على مدى العقدين الماضيين. بالنسبة لألمانيا التي استعادت السيادة الكاملة فقط في عام 1990 بعد خمسة وأربعين عاماً من الانقسام في فترة ما بعد الحرب، فإن هذه مهمة صعبة للغاية، ويزداد الأمر صعوبة بسبب تاريخها العميق، والمضطرب مع روسيا.

 على عكس ألمانيا، لم تفقد روسيا فن التفكير الاستراتيجي. كقوة تتربع على عرش أوروبا وآسيا، عانت على مدى قرون الضعف الداخلي المرتبط بحجمها وتخلفها الاقتصادي. وقد ولّد هذا قدرة كبيرة على تسخير نقاط قوتها وتطبيقها على العلاقات مع منافسيها الأقوياء. يعكس نجاح إدارة بوتين في السنوات الأخيرة في نشر القوات الروسية في أوكرانيا وسوريا وليبيا هذا الأمر، وكذلك تحديدها للانقسامات في المجتمعات الغربية واستعدادها للاستفادة منها. لقد فاجأت هذه الجهود الدول الغربية، وخلقت ارتباكاً واستجابات مشوشة. وضع الاستسلام والاحتلال غير المشروط في عام 1945 حداً للتفكير الاستراتيجي الألماني، وأدى إلى الاستعانة بمصادر خارجية من واشنطن؛ حيث احتلت الجمهورية الفيدرالية مكانها على خط المواجهة في دفاعات أوروبا ضد الكتلة السوفيتية. هذا لم يمنع الجمهورية الألمانية الفيدرالية من وضع أهداف سياسية، بما في ذلك إعادة التوحيد، لكن «الاستراتيجية الكبرى» لم تكن مجالها. ليس من المستغرب أن تكافح ألمانيا الآن للتكيف مع اللعبة التي تلعبها روسيا على المستوى الاستراتيجي. بالنسبة للألمان، كانت النهاية المذهلة للحرب الباردة قد وعدت بعصر مختلف؛ حيث ستغيب القوة العسكرية عن الشؤون الأوروبية في ظل تناغم القيم والمصالح المشتركة.

 بدلاً من ذلك، استخدمت روسيا القوة العسكرية لتغيير الحدود، وتجد أوروبا نفسها الآن من دون نظام فعّال للحد من التسلح، ومع نظام ضعيف للغاية لا يستطيع بناء الثقة لأجل إدارة العلاقات مع روسيا. كان انسحاب الولايات المتحدة في عام 2019 من ترتيبات المعاهدة التي تحد من نشر القوات النووية متوسطة المدى للولايات المتحدة وروسيا في أوروبا رداً على الانتهاكات الروسية علامة أخرى على تدهور النظام الأمني ​​في أوروبا. في الوقت نفسه، استنزفت ألمانيا قواتها المسلحة منذ نهاية الحرب الباردة، ما جعلها غير منظمة وغير مجهزة للمساهمة بشكل كامل في مهمة «الناتو» الأساسية المتمثلة في الدفاع الجماعي. أعرب رئيس مؤتمر ميونخ للأمن، ولفغانغ إيشينغر، مؤخراً، عن أسفه لافتقار ألمانيا الحالي إلى قوة رادعة ضد دول مثل روسيا، قائلاً: «نحن سادة القوة الناعمة. لكن القوة الناعمة من دون القوة الصلبة تشبه فريق كرة القدم من دون حارس مرمى».

 حساسيات روسية- ألمانية

 يبحث هذا الكتاب، الصادر عن مطبعة جامعة مانشستر في سبتمبر/ ايلول 2021، في أسباب التحدي الذي تواجهه ألمانيا في صياغة سياسة فاعلة تجاه روسيا. ويرى المؤلف أن مزيجاً معقداً من التحيزات الثقافية والحساسيات التي تراكمت على مدى قرون من المشاركة مع روسيا، يضبط الطريقة التي ينظر بها الألمان إلى بلادهم ويتفاعلون معها اليوم، ويقول: «لقد تركت التجربة المؤلمة للقرن العشرين التي اشتملت على حربين واسعتي النطاق أثراً عميقاً في روح المواطن الألماني.. إن الشعور بالذنب بسبب الجرائم النازية التي ارتكبت بحق شعوب الاتحاد السوفييتي أمر لا يمكن محوه».

 ويضيف: «على عكس الولايات المتحدة وحتى على عكس بعض حلفائها الأوروبيين، تهتم ألمانيا بروسيا. أعطى التاريخ للألمان فهماً عميقاً لأهمية علاقة أوروبا بهذا البلد الشاسع المتعارض بشأن هويته ومدى كونه أوروبياً. توجد أكبر سفارة لألمانيا في العالم في موسكو مع أقسام سياسية واقتصادية كبيرة وطاقم عسكري كبير. لديها أكثر من خمسة وثلاثين صحفياً معتمداً في موسكو، العديد منهم يمتلك خبرة كبيرة في البلاد. يقع أكبر «معهد غوته» في العالم في موسكو، ويركز أكبر برنامج دعم تابع لخدمة التبادل الأكاديمي الألمانية على روسيا، كما تتمتع ألمانيا بتقليد جيد في المنح الدراسية الأكاديمية في روسيا. لكن لأكثر من عشرين عاماً، نفذت الحكومات الألمانية المتعاقبة سياسات متسقة للغاية، ولكنها غير فاعلة تجاه موسكو بناءً على الاعتقاد بأن مزيجاً من العلاقات الاقتصادية الموسعة والحوار الممكن مع الحكومة والمجتمع من شأنه أن يساعد في توجيه روسيا على طول مسار الإصلاح الذي يؤدي إلى قبولها عائلة الدول الأوروبية الديمقراطية المتشابهة في التفكير».

 ويجد المؤلف أنه في سعيها الدؤوب من أجل الشراكة الاستراتيجية، انتهى الأمر بألمانيا عن غير قصد إلى دعم ظهور نظام روسي معادٍ لمصالحها وقيمها. وبعبارة أخرى، فإن سياستها لم تفشل فقط؛ بل كانت لها نتائج عكسية. لقد أضفت الشرعية على النظام الروسي بشكل متزايد، وشجعته على نشر القوة ضد جيرانه ومهاجمة المؤسسات الغربية. بالطبع. لم تكن ألمانيا وحدها في إساءة قراءة تطور روسيا وتسهيل ظهور نظام في روسيا راغب وقادر على مواجهة الغرب. المملكة المتحدة، على سبيل المثال، كانت أيضاً لعبت دوراً تمكينياً مهماً للنظام الروسي اليوم من خلال إغماض عينيها عن أصول الأموال الروسية التي تتدفق إلى لندن.

 صياغة سياسة جديدة مع روسيا

 فشلت سياسة إعادة ضبط إدارة أوباما تجاه روسيا، لأنها كانت قائمة على قراءة خطأ للمصالح والدوافع الروسية. اعتقدت العديد من الحكومات الغربية أيضاً أنه في عالم ما بعد الحداثة، كانت مصالحها متقاربة في النهاية مع مصالح روسيا، وأن موسكو تؤمن بالشيء نفسه. من وجهة نظرهم، كان هذا يعني أنه ينبغي عليهم أن يكونوا قادرين على تسوية الخلافات مع روسيا. ومع ذلك، في حالة ألمانيا، كان من المفترض أن توضح خبرتها التاريخية العميقة ومعرفتها بروسيا والاتصالات الكثيرة التي تمت رعايتها بعناية عبر العديد من قطاعات الحياة الروسية المختلفة بحلول أواخر التسعينات أن نهجها غير واقعي وبحاجة إلى التغيير. بدلاً من ذلك، اختارت ألمانيا أن تظل في حالة إنكار لاتجاه روسيا حتى ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014.

 بعد إدارة ظهرها لأوروبا، اقتربت روسيا من الصين، ويبدو أنها مستعدة لقبول أن تكون شريكها الأصغر في غياب الحلفاء لموازنة النفوذ الصيني. ينصبّ تركيز القيادة الروسية على البقاء، وترى أن استعادة مكانة روسيا الدولية والحفاظ عليها أمر ضروري لعملية تأمين حكمها، مع منحها الأولوية على الحاجة إلى تجهيز روسيا لعصر اقتصادي وسياسي جديد يهيمن عليه تغير المناخ والرقمنة والقوى التخريبية الأخرى. إن صعود آسيا، والارتباك الذي أصاب الولايات المتحدة مع حلفائها، فضلاً عن تلطيخ القيم الغربية، والانقسامات في المجتمعات الغربية، كلها تقدم مكاسب قصيرة الأجل لقيادة روسية تخشى الإصلاح في الداخل ولكنها واثقة من قوتها في الخارج. وقد شجع ذلك على سياسة غير مدروسة تجاه أوكرانيا كان من الممكن أن تؤدي بسهولة إلى نزاع أوروبي أوسع في عام 2014 عندما ضمت شبه جزيرة القرم وزعزعت استقرار جنوب شرق أوكرانيا عمداً. في هذه العملية، صنعت روسيا عدواً لشعب تشترك معه في تقارب ثقافي قوي، ما عزز موقف أوكرانيا كدولة سياسية، ولم تعد ترى مستقبلها في تحالف وثيق مع روسيا.

 بنية الكتاب

 يسعى الفصل الأول من الكتاب إلى شرح كيف شكلت تجربة ألمانيا التاريخية الموروثة والمواقف تجاه روسيا تفكيرها السياسي منذ عام 1990 وما زالت تفعل ذلك على الرغم من التحول الحاد في الاستجابة لأفعال روسيا في عام 2014.

 يبحث الفصل الثاني في بعض الاتجاهات الرئيسة في التفكير الألماني حول روسيا عبر القرون. وينظر الفصل الثالث في تأثير إعادة توحيد ألمانيا على وجهات النظر تجاه روسيا، ويشرح كيف حدثت هذه النتيجة المعجزة بالصدفة أكثر من كونها ناجمة عن سياسة واعية من الإحسان من جانب موسكو تجاه الألمان. ترتبط إعادة التوحيد بوقت بدا فيه أن ألمانيا الموحدة متصالحة تماماً مع كل من جيرانها الغربيين والشرقيين وفي سلام مع روسيا. كانت هذه نسخة فاخرة من «البيت الأوروبي المشترك» لميخائيل جورباتشوف والتي تضمنت إضافة غير متوقعة لعضوية الناتو لألمانيا بأكملها. من الناحية التاريخية، كانت هذه أقصر اللحظات التي لا يمكن تحملها عندما كان الاتحاد السوفييتي في حالة تراجع، على وشك الانهيار وعلى استعداد لتقديم التضحيات في العلاقات مع الغرب لكسب الوقت. يعلق الكاتب: «حتى لو لم يتبع قادة روسيا الحاليون نفس المنطق ويحتقرون جورباتشوف لأنه سمح للاتحاد السوفييتي بالتفكك، فهم لا يزالون سعداء لأن تشعر ألمانيا بالالتزام تجاه موسكو لجعل إعادة التوحيد ممكنة. تشكل المشاعر المرتبطة بهذه القضية جزءاً آخر من التكييف التاريخي للألمان وتوفر نقطة ضغط لروسيا في تعاملاتها مع ألمانيا».

 يستعرض الفصل الرابع سياسة ألمانيا تجاه روسيا من 1990 إلى 2014 ويوضح كيف تمسكت الحكومات المتعاقبة بفكرة أن روسيا كانت شريكاً في أوروبا.

 يحلل الفصل الخامس إعادة معايرة أنجيلا ميركل للسياسة تجاه روسيا رداً على تصرفات روسيا في أوكرانيا. يقول الكاتب هنا: «مع الدعم المحدود من إدارة أوباما، أظهرت ألمانيا قيادة مثيرة للإعجاب في الاتحاد الأوروبي من خلال تحقيق إجماع على الحاجة إلى دعم سياسي قوي لأوكرانيا وفرض عقوبات اقتصادية ضد روسيا. كان التخلي عن المعتقدات التقليدية السابقة في التعامل مع روسيا صادماً للعديد من الأشخاص، لكنه حصل على دعم عام واسع بشكل مفاجئ، بما في ذلك من قطاع الأعمال. صاغ صانعو السياسة الألمان بذكاء سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا، مستشهدين بروح عقيدة هارمل لحلف الناتو في الستينات التي جمعت بين الحوار والردع وكانت مقدمة للانفراج.

 يستعرض الفصل السادس العلاقة الاقتصادية بين ألمانيا وروسيا، ويوضح أنه حتى قبل عقوبات الاتحاد الأوروبي في عام 2014، كانت غير متطورة وأقل أهمية بكثير للأعمال الألمانية مما يُفترض عادة. يشرح المؤلف هنا كيف تغيرت علاقة الغاز بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب نجاح الاتحاد الأوروبي في إجبار شركة غازبروم على التكيف مع إطارها التنظيمي. كان هذا مصدر إزعاج كبير في علاقات الاتحاد الأوروبي مع روسيا وساهم في انهيار العلاقات بشأن أوكرانيا.

 يناقش الفصل السابع قضية النفوذ الروسي في ألمانيا التي لم يتم بحثها كثيراً. يقول المؤلف: لطالما كانت البلاد هدفاً لعمليات القوة الروسية «الناعمة» والتجسس، ولكن منذ عام 2014، شهدت استخدام بعض أدوات التأثير الجديدة «الأكثر صعوبة»، بما في ذلك المعلومات المضللة والهجمات الإلكترونية. في الوقت الحالي، تبدو روسيا راضية عن مستوى اختراق قوتها «الناعمة». لم يول النقاش الألماني للموضوع سوى القليل من الاهتمام للتأثير الروسي من خلال الشبكات الراسخة في الأحزاب السياسية السائدة وكذلك قطاع الأعمال.

 ينظر الفصل الثامن في آفاق تعامل ألمانيا مع روسيا على خلفية التطور المحتمل لروسيا وكذلك العوامل التي تؤثر في رؤيتها لروسيا والأدوات المتاحة لديها لمواجهة السلوك الروسي غير المرغوب فيه. ويرى المؤلف أنه «من الضروري أن تستثمر أكثر في الدفاع بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً من جني ثمار السلام». ويناقش الفصل الختامي أنه يجب على ألمانيا إعادة اكتشاف القدرة على تصميم الاستراتيجية تجاه روسيا. ويرى المؤلف أنه للقيام بذلك، يجب على صانعي السياسات تحديد أهداف السياسة على أساس المصالح وليس العواطف.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي
1
كريس سالتمارش
1
بول هونج، ويونغ وون بارك

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
أندرو كوكبيرن
2
بول روجرز
1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
جورجيو أغامبين
1
ميغان أ.كارني
1
ستيفن فريدمان