17 ديسمبر.. والتغيير المطلوب

00:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

من المنتظر أن يعلن الرئيس قيس سعيد غداً الجمعة السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول، عن الخطوات التي سترسم المستقبل السياسي لتونس، بعد الإجراءات التي اتخذها في الخامس والعشرين من يوليو/تموز الماضي. ولئن كانت الأنظار تتجه إلى حسم المعركة مع حركة النهضة «سياسياً» إلا أن وضع تونس يحتاج أكثر من ذلك بكثير.
 الثابت أن الخطوات السياسية التي ينتظر الإعلان عنها والتي تشير إلى أن عهد البرلمان السابق قد انتهى ولا عودة إليه مثلما أشار سعيّد في أكثر من مناسبة، والإعلان عن مواعيد سياسية من قبيل الاستفتاء على دستور جديد و الإعلان عن تنقيح قانون الانتخابات وربما معاقبة الأحزاب التي تورطت في التمويل الأجنبي خلال انتخابات 2019، هي كلها خطوات مقبولة وهي مطلب فئات واسعة من النخب السياسية والنقابية، ولكن تونس في هذه المرحلة تحتاج ثورة حقيقية في كل المجالات، خاصة في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي.
 فاقتصادياً تترنح تونس أمام ثقل وطأة المديونية واختلال المالية العمومية، فعشر سنوات فقط من حكم حركة النهضة و منظومتها السياسية، جعلت تونس تغرق في مديونية غير مسبوقة استقرت عند مستوى 120 مليار دينار أي ما يزيد على 40 مليار دولار، وقد كانت مديونيتها في 2010، لا تزيد على ملياري دولار. والمشكلة أن الأزمة السياسية الحالية تزيد الضغوط المالية على تونس، و تجعلها في مواجهة مباشرة مع نادي باريس، الذي تبلغ ديونه لتونس في سنتي 2019 و2020، ما يقارب 7 مليارات دولار، وهو مبلغ ضخم يجعل الحكومة، مطالبة بإشراك جميع الفاعلين الاجتماعيين و الاقتصاديين في إيجاد حلول عملية لكيفية استخلاص تلك الديون أو السقوط في هاوية الإفلاس.
 صحيح أن التغيير السياسي مطلوب، لكن علاج أمراض تونس ليس مستحيلاً لو اتخذ قيس سعيّد قراراً جريئاً بتحرير الاقتصاد التونسي من الاستعمار الداخلي المفروض من قبل عائلات شديدة الثراء ومن قبل بارونات الفساد. هذه هي معركة تونس الحقيقية. تحرير الاقتصاد من هذه العصابات التي تنهش الدولة وتستفيد من امتيازاتها ومن حالة ضعفها وفي المقابل هي معركة قيس سعيّد والشعب التونسي لم تنجز منذ 2011، وغير ذلك هو سير في الطريق التي لن تقود تونس إلا إلى الخضوع إلى شروط كبار الدائنين. فهل يقبل مثلاً أن تكون صادرات تونس في قطاع واحد هو قطاع الصناعات الميكانيكية، في نفس مستوى حجم ديونها الخارجية ومع ذلك لا نجد سوى مردودية هزيلة لهذا القطاع على مستوى مداخيل الدولة؟ هل يمكن أن يستمر اقتصاد تونس وهو في حالة ارتهان داخلي لعدد قليل من العائلات التي تفرض سطوتها وتعيق تحرير الاستثمار أمام الكفاءات الشابة؟
 الحلول سهلة ولا تتطلب سوى إرادة قوية من طرف قيس سعيّد الماسك بكل السلطات الآن. القرار الثوري الأول هو إلغاء نظام التراخيص الذي يمثل حجر عثرة أمام الشباب، وتعويضه بإجراءات تسجيل بسيطة عبر منظومة رقمية تغلق أبواب الفساد والرشوة وتلغي نهائياً احتكار الثروة لدى فئة قليلة. القرار الثاني هو رقمنة كل المعاملات الإدارية، ولم لا التحول إلى حكومة رقمية بالكامل وهنا سيتم توفير الكثير من الكلفة التي تهدر الآن. والأهم أن الدولة ستكون قادرة في ظل تعميم الرقمنة السيطرة على كل مواردها ومنع التهرب الضريبي وتحجيم الاقتصاد الموازي، وهو ما سيعزز خزينة الدولة بموارد مالية مهمّة، قد تعوض جزءاً كبيراً من الديون التي تضطر الدولة للحصول عليها بنسب فوائض كبرى.
 سعيّد الآن هو أمام فرصة تاريخية حقيقية للانطلاق بتونس الجديدة وتجاوز المستنقع السياسي الذي تريد أطراف منظومة 2011، البقاء فيه، لأنها المستفيدة منه. ولنقل إن هذا غير مستحيل فدول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، بدأت بناء تجربتها التي نرى نتائجها الآن وهما في وضعية أكثر سوءاً من وضعية تونس الآن. فقط توفرت في القائد في تلك اللحظة التاريخية، شروط القيادة الناجعة و أهمها الصدق والنزاهة و الرغبة الحقيقية في بناء دولة و تجربة تاريخية، وهذه الصفات تتوفر في شخصية قيس سعيّد، فضلاً عن كونه يحظى إلى حد الآن بتأييد شعبي مذهل، وهذه كلها محفزات لإطلاق الثورة التونسية الحقيقية.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"