عادي

«الأم والروبوت»..رؤية سوداوية تخلط الخيال بالرعب

يسقط نظرية «أمريكا أرض الأحلام»
23:00 مساء
قراءة 5 دقائق

مارلين سلوم
ما الفرق بين الخيال العلمي والرعب في السينما؟ المفروض أن يكون الفرق واضحاً ولكل منهما طبيعته، لكن ما نشاهده في غالبية الأفلام الحديثة التي يصنفها صنّاعها بأنها خيال علمي أو رعب، لا يميز بين هذا وذاك ويختلط الحابل بالنابل، لأنهم يسعون خلف ما هو رائج لضمان إقبال الجمهور على المشاهدة، فالرعب مرغوب والخيال العلمي صار الأكثر انتشاراً والأسهل تنفيذاً في ظل الوفرة التكنولوجية والتقنيات المتطورة، والأفكار المتدفقة خصوصاً حول الإنسان الآلي ومستقبل البشرية ونهاية العالم. فيلم «الأم والروبوت» من هذه النوعية التي تخلط العلم بالرعب، ويصير الإنسان الآلي «زومبي»، في نظرة متشائمة حول مصير الإنسان، ولأول مرة تكون محصورة في أمريكا لا على كوكب الأرض، ولأول مرة تسقط نظرية «أمريكا أرض الأحلام» في السينما فنجد أن كل الآمال والمستقبل المشرق في آسيا، وتحديداً اليابان أو كوريا أو الصين.

المفروض أن ينظر العالم وصنّاع السينما إلى المستقبل نظرة تفاؤلية مع رسم تصورات لشكل الإنسان والحياة فيه تقترب من الواقع والمنطق إلى حد ما، لكن غالبية الأفلام التي تنتجها حديثاً السينما الأجنبية، سوداوية قاتمة، تنبئ أو هي ربما وسيلة لدق ناقوس الخطر بأن ما يصنعه الإنسان اليوم سينعكس دماراً على الأرض وقد يؤدي إلى نهاية البشرية.

في فيلم «الأم/ أندرويد» والمقصود به «الأم والروبوت» وبتعبير أدق «الأم في مواجهة الروبوت» للكاتب والمخرج ماتسون توملين، محاولة للفت أنظارنا إلى مدى خطورة الإنسان الآلي، وإمكانية سيطرته على حياتنا لدرجة أنه سيكون هو من يعمل على تدمير كل شيء وفناء البشرية. توملين يركز بشدة على هذه النقطة لدرجة أنه يسقط من حساباته الكثير من التفاصيل الدقيقة والمهمة والتي تضمن تسلسلاً منطقياً للأحداث، كما يترك جانباً أي محاولة للإبهار في الإخراج، من أجل حصر قصته والعمل ككل في قضية واحدة: محاولة الإنسان إنقاذ نفسه وعائلته من الحرب الشرسة التي شنتها مجموعة ضخمة من «الروبوت»، التي طورها الإنسان لتصير مثله شكلاً، من لحم ودم (وإن اختلف لون الدم)، لا يمكن تمييزها عن الإنسان العادي، وجعلها جميعاً «خدماً» يسهرون على راحته ويعملون في كل مكان سواء في البيوت أو المحلات.

بداية عادية

تبدأ القصة بشكل عادي كغالبية أفلام الرعب، من قصة حب بين شاب أسمر البشرة يدعى سام (ألجي سميث) وفتاة بيضاء تدعى جورجيا وينادونها جي (كلوي جريس موريتز)، تكتشف أنها حامل ليلة الاحتفال مع بعض الأصدقاء بالكريسماس، فجأة تطفأ الأضواء ويعلو الصراخ فإذا بالخادم ينقلب إلى وحش يقتل الموجودين باستثناء الثنائي وصديقتهما، لكن هذه أيضاً تلقى حتفها حين يخرجون إلى الشارع وأثناء اتجاهها إلى منزلها في محاولة لإنقاذ والديها. ينقلنا المخرج إلى الغابة وقد مضى عدة أشهر، وشارفت جي على الولادة في شهرها التاسع. نيويورك كلها مدمرة، بينما بوسطن محصنة، لذا يحاولان التوجه إلى هناك ليأخذا مركباً يتجه بهما وبالطفل المنتظر نحو «آسيا الآمنة».

كيف تمكنا من الفرار وكيف أمضيا تلك الأشهر؟ لا إجابة مباشرة أو غير مباشرة. يصلان إلى مخيم للجنود الأمريكيين، يتم فحصهما للتأكد من أنهما آدميان لا يملكان «النبض الكهرومغناطيسي» في جسدهما، أي أنهما ليسا آليين. تسمح طبيبة المخيم للثنائي بالإقامة هناك لأن جي شارفت على الولادة ولا بد من الاعتناء بها، لكن تهور سام وإحساسه بضرورة حماية أسرته يؤديان إلى تسببه بإصابة أحد الجنود فيتم طردهما.

تكبر معاناة الثنائي، خصوصاً أنهما يحتاجان إلى الوصول إلى بوسطن بأسرع وقت قبل ولادة الطفل، لأن أي صوت سيلفت انتباه الروبوت وسيُقضى أمرهما. لا شيء يشغل بالك طوال الساعة والخمسين دقيقة سوى كيفية الإفلات من الروبوتات التي سيطرت على ولايات في أمريكا وتحاصر البشر وتحرق المدن، وتفاجأ بأن المخرج لا يقدم لك أي حل ممكن للسيطرة على هذه الفوضى وهذه الحرب التي شنتها الآلة على الإنسان، ولا حياة إلا بالهروب من ولاية إلى أخرى، في ظل حماية من القوات العسكرية، خصوصاً أن حلم الهروب عبر البحر من بوسطن إلى آسيا أصبح مستحيلاً للكبار، فطوكيو مثلاً ترفض استقبال الرجال والنساء لأنهم يشكلون عبئاً مادياً واقتصادياً عليها، لأنهم سيحتاجون إلى مسكن وعمل ولقمة عيش وعلاج.. يقبلون الأطفال فقط ويأخذونهم بموافقة أولياء أمورهم فيتم منحهم لعائلات هناك. توتر وشد أعصاب، ومطاردات يزيد من حدتها وضع جورجيا التي تتنقل بصعوبة مع اقتراب موعد الوضع، وتقاتل بشراسة من أجل حماية هذه العائلة الصغيرة.

محرك الأحداث

كلوي جريس موريتز هي ميزان الثقل في هذا الفيلم، ملامح تجمع البراءة وقوة الشخصية، امرأة عاطفية وقوية، تتعاطف معها ولا تنشغل إلا بها وبطفلها طوال الوقت، ليس بسبب ضعف شريكها في التمثيل ألجي سميث، بل لأنها هي الدينامو ومحرك الأحداث، وقد أدت الدور بإحساس عال جداً، وكأنها هي فعلاً الأم الحامل المتحملة مسؤولية نفسها وطفلها وحبيبها وتقاتل بكل الوسائل لحمايتهم. تشعر أحياناً بأن هذه الممثلة أقوى من العمل بكامله، وتستحق دوراً أكبر وأهم وفيلماً يؤهلها لنيل جوائز عالمية.

ماتسون توملين اشتغل على رسالة القصة أكثر من تفاصيلها، ونجح في لفت انتباهنا إلى أن الآلة تستطيع تدمير الإنسان إذا ما سمح لها بالتحكم في كل شيء في حياته، ويلمح أيضاً إلى أن سعادة الإنسان بجعل الآلة تتكلم وتتحرك وتتصرف من تلقاء ذاتها وبرمجتها لتحمل مشاعر وتتحكم بها وبانفعالاتها، سيؤدي بالبشرية إلى كارثة حقيقية. ويبدو أنه كمؤلف لا يرى أي مستقبل في أمريكا، فجردها من الأجيال الجديدة، وترك المشهد الأخير قاتماً محزناً مع خلفية الأبراج التي تحترق والشوارع الخالية والحياة بلا أي أمل، خصوصاً أنه لم يقدم أي فكرة علمية أو محاولة من الجانب الأمريكي لاكتشاف الحل ووقف هذه الحرب، بل كل ما يفعله الجنود هو جمع الناس وفتح معسكرات لحمايتهم في أماكن بعيدة عن وجود الآليين!

نجح توملين في جعل الفيلم خيالاً علمياً مرعباً يعيد للإنسان أهميته وضرورة تفوقه على الآلة لا العكس، والعودة إلى الحياة الطبيعية والبسيطة. أما من ناحية الإخراج، فيقدم توملين أهم مشاهده في ختام الفيلم، حيث يصور طفلاً باعتباره «فورست» ابن جي وسام، كما أسمياه، ينعم بحياة سعيدة بين أبويه، يلعب بسلام ويضحك ويذهب إلى المدرسة ويمارس الحياة الطبيعية العادية التي نعرفها، وهو حلم الأم الذي صار مستحيلاً ولن يتحقق. ونفس المشهد يعيده مع نفس الطفل إنما مع أبوين آسيويين حيث ينعم وسط أسرته الجديدة بالطمأنينة.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"